تمثل منظومة المواصلات في قطر نموذجاً عالمياً رائداً في قطاع النقل المستدام والمتكامل، حيث نجحت الدولة في تشكيل شبكة ذكية فائقة المرونة تربط بين البنية التحتية المتطورة والطاقة النظيفة، محققة أهداف رؤية قطر الوطنية 2030 يشرف على هذه المنظومة استراتيجيات طموحة لوزارة المواصلات (مثل استراتيجية 2025-2030 والخطة الشاملة 2050) بهدف تحويل أسطول النقل العام إلى طاقة كهربائية صديقة للبيئة بالكامل بنسبة 100% بحلول عام 2030..
وكان تقرير أصدرته شركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، خلال هذا العام عن تصنيف دولة قطر كواحدة من الدول الأكثر طموحًا وتأثيرًا في مجال التنقل الكهربائي على مستوى الشرق الأوسط، لتثبت الدولة مجدداً توجهها نحو الريادة العالمية في هذا القطاع الحيوي.
ووفقًا للتقرير فإن دولة قطر تسير بخطى سريعة نحو التحول إلى التنقل الكهربائي، بما يتماشى مع استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة التي تركز على الاستدامة، والتنويع الاقتصادي، والنمو المدفوع بالتكنولوجيا، وصولاً لتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030، مبينًا أن الخطط التي انبثقت في هذا المجال لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول، حيث تم إطلاق استراتيجية المركبات الكهربائية، والتي تهدف إلى أن تشكل السيارات الكهربائية 10% من إجمالي مبيعات المركبات بحلول عام 2030، بالإضافة إلى تسريع تطوير البنية التحتية الداعمة إلى مستقبل التنقل عديم الانبعاثات الكربونية.
وتوقع التقرير أن نسبة مبيعات سيارات البطارية الكهربائية (BEV) في قطر سترتفع من 1.1% في عام 2024 إلى 14.4% بحلول عام 2035، فيما سترتفع نسبة مبيعات السيارات الهجينة القابلة للشحن (PHEV) من 0.7% في عام 2024 إلى 9.6% بحلول عام 2035.
وفي هذا الصدد استعرض التقرير الدور البارز الذي لعبته وزارة المواصلات في قيادة التحول نحو التنقل المستدام، من خلال خطط استراتيجيات عملها التي أطلقتها لدعم التحول نحو التنقل الكهربائي والهادفة إلى مستقبل أنظف وأكثر كفاءة ووعيًا بيئيًا، حيث أوضح التقرير أن هذه الخطط ساهمت بوصول نسبة الحافلات الكهربائية إلى 73% من أسطول حافلات النقل العام، ما يعكس تحولًا ملموسًا نحو النقل الأخضر، كما لعبت الوزارة دورا بارزًا في إنشاء مصنع لتجميع الحافلات الكهربائية في منطقة أم الحول الحرة، بالتعاون بين شركة يوتونغ الصينية وشركة مواصلات كروة.
وبين التقرير أن كأس العالم فيفا قطر 2022 ساهم بشكل واضح في استعراض قدرات الدولة في التنقل الكهربائي، حيث تم استخدام نحو ألف حافلة كهربائية لنقل المشجعين والزوار، لتكون أول بطولة كأس عالم في الشرق الأوسط تركز بهذا الشكل على النقل الكهربائي.
وتوقع التقرير أن يساهم التحول إلى التنقل الكهربائي مصحوبا بالتوسع في مصادر الطاقة النظيفة في خفض انبعاثات الكربون بدولة قطر إلى نحو 5% مقارنة بالاعتماد الكامل على مركبات الوقود التقليدي، مما يدعم التزامها الكامل بالنقل المستدام منخفض الكربون.
وبالتوازي مع ذلك أوضح التقرير أن أهم محركات القوة والتميّز في مجال التنقل الكهربائي لدى دولة قطر تستند على رؤيتها الوطنية 2030 التي تدمج الاستدامة في صميم التنمية الاقتصادية والبيئية، مشيرا في هذا الصدد إلى توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي للدولة بمعدل 4.1% سنويًا حتى 2029، مصحوبا بزيادة سكانية بنحو 3.2 مليون نسمة بحلول 2030، مما يخلق سوقًا متسعًا لمركبات المستقبل، إلى جانب مساع جادة لتركيب أكثر من ألف وحدة شحن كهربائي بحلول عام 2030، مدعومة بخطط بناء نحو 4 آلاف وحدة شحن كهربائي بحلول عام 2035، فضلا عن التزام الدولة بمصادر إنتاج الطاقة النظيفة مع هدف إنتاج 5 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2035، ما يضمن تغذية شبكة الشحن الكهربائي بالكامل من مصادر متجددة.
وكشف التقرير أن التركيز على الاستثمار المحلي والعالمي في هذا المجال ساهم في دعم التحول إلى التنقل الكهربائي في الدولة، حيث ساهم القطاع الخاص بإطلاق منصة تصنيعية إقليمية صاعدة، من خلال أول علامة تجارية وطنية للسيارات الكهربائية إيكوترانزيت (Ecotranzit)، وتطوير مركبة (Vim) بأيدي وخبرات قطرية.
إلى جانب ذلك تم إنشاء شركة (ABB) بمنطقة أم الحول الحرة، والتي تضم مركز تدريب وخدمات متقدم متخصص في البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية بالتعاون مع هيئة الأشغال العامة أشغال .
كما أثبتت دولة قطر أنها شريك استثماري عالمي مؤثر، مع مساهمات جهاز قطر للاستثمار في كبرى شركات تصنيع البطاريات مثل (SK On)، ما يضع قطر ضمن اللاعبين الكبار في سلسلة القيمة العالمية للبطاريات، بالإضافة إلى أن الدولة أصبحت وجهة استثمارية جذابة عالميًا، تستقطب شركات مثل فولكس فاغن وبورشه ويوتنغ لتأسيس أعمالها في السوق القطري.
يمهد التقرير لمستقبل تتبوأ فيه دولة قطر مركزًا عالميًا في التنقل الكهربائي، من خلال تطوير منظومة بطاريات محلية، وتأهيل كوادر وطنية متخصصة، وتعزيز التعاون الدولي في البحث والتطوير، بما يتيح لدولة قطر أن تكون مصدرًا لتقنيات ومكونات التنقل المستدام نحو أسواق أوروبا وآسيا، ويؤكد توجهها لتكون رائدة عالميًا في التنقل النظيف، وتجمع بين الابتكار والاستدامة والصناعة.
برنامج البنية التحتية لحافلات النقل العام
طورت وزارة المواصلات وبالتعاون مع الجهات التنفيذية في الدولة مشاريع برنامج البنية التحتية لحافلات النقل العام المجهزة جميعها ببنية تحتية داعمة للحافلات الكهربائية الصديقة للبيئة تحقيقيا لرؤية قطر الوطنية 2030، ومن أهداف هذا البرنامج توفير شبكة متكاملة ومستدامة للنقل العام في الدولة تغطي جميع أرجاء المناطق الحضرية وتشكل وحدة نقل مترابطة تشمل منظومات حافلات النقل العام وشبكة مترو الدوحة وشبكات الترام.
ويتكون البرنامج من 8 محطات للحافلات في مناطق (السودان، مشيرب، الغرافة، لوسيل، الوكرة، المدينة التعليمية، المنطقة الصناعية، الخليج الغربي المركزية)، بالإضافة إلى 4 مستودعات للحافلات في مناطق (لوسيل، المنطقة الصناعية الجديدة، الوكرة، والريان) وجميع هذه المرافق مدعومة بأكثر من 650 محطة شحن كهربائي لغرض تشغيل الحافلات الكهربائية، كما يضم البرنامج أيضا 4 مواقف اركن وتنقل في (القصار، الوكرة، لوسيل، والمدينة التعليمية) وذلك لخدمة مستخدمي وسائل النقل العام ودعم عمليات التنقل، بالإضافة إلى تطوير ما يزيد عن 2300 موقف انتظار للحافلات موزعة داخل وخارج مدينة الدوحة، مصممة وفقا لأعلى المعايير العالمية وأحدث أنواع التكنولوجيا المستدامة بما يتماشى مع هوية النقل العام.
ويؤسس برنامج البنية التحتية لحافلات النقل العام في دولة قطر لتحول كامل لمنظومة نقل تعمل بالطاقة الكهربائية النظيفة الصديقة للبيئة. ويستخدم أحدث التقنيات التكنولوجية بهدف توفير أفضل الخدمات وبما يدعم متطلبات التنمية المستدامة.
1. الركائز الأساسية لخفض الانبعاثات الكربونية في قطاع النقل
أولاً: التحول الشامل نحو الكهرباء (Electrification)
أسطول الحافلات الكهربائية: تجاوزت قطر مستهدفاتها الحالية بتشغيل أكثر من 70% من أسطول الحافلات العامة بالطاقة الكهربائية الكاملة، مع خطة استراتيجية للوصول إلى تحول كامل بنسبة 100% بحلول عام 2030. هذا التحول يمنع انبعاث آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنوياً مقارنة بالحافلات التقليدية.
البنية التحتية الصديقة للبيئة: تشغيل مستودع حافلات لوسيل، المسجل في موسوعة غينيا للأرقام القياسية كأكبر مستودع حافلات كهربائية يعتمد على الطاقة الشمسية في العالم. يضم المستودع المئات من نقاط الشحن السريع المغذاة بألواح شمسية عالية الكفاءة لتوليد طاقة نظيفة وخفض الاعتماد على الشبكة الكهربائية التقليدية.
تاكسي كروة الصديق للبيئة: إدخال أساطيل من مركبات التاكسي والليموزين الكهربائية والهجينة (Hybrid)، مما يسهم في خفض البصمة الكربونية لرحلات الأفراد اليومية.
ثانياً: ريادة النقل السككي (مترو الدوحة والترام)
انبعاثات صفرية وتشغيل ذكي: يعتمد مترو الدوحة، وترام لوسيل، وترام المدينة التعليمية بشكل كامل على الطاقة الكهربائية بنسبة 100% مع انبعاثات كربونية مباشرة منعدمة (Zero Direct Emissions).
إزاحة السيارات الخاصة: تساهم الشبكة السككية في سحب آلاف السيارات الخاصة يومياً من الشوارع. تشير الإحصاءات إلى أن رحلة شخص واحد بالمترو بدلاً من السيارة الخاصة تقلل من انبعاثات الدفيئة بنسبة تصل إلى 75% لكل كيلومتر قطعه الراكب.
ثالثاً: شبكة الطرق الذكية وإدارة الحركة المرورية
تقليل وقت الهدر والانبعاثات: ساهمت مشاريع هيئة الأشغال العامة أشغال (مثل الأنفاق، والجسور الحرة، والمسارات السريعة) في تقليل الاختناقات المرورية وزمن الرحلات بنحو 25% إلى 30%. هذا التدفق المروري السلس يمنع ظاهرة الوقوف المتكرر للسيارات، وهي من أكبر مسببات انبعاث غازات العادم السامة داخل المدن.
مسارات الدراجات والمشاة: تنفيذ أكثر من 2000 كيلومتر من مسارات الدراجات الهوائية والمشاة المعزولة والمحاطة بمسطحات خضراء، مما يشجع على النقل النشط (Active Mobility) الخالي تماماً من الكربون للمسافات القصيرة.