التخزين.. غاية أم وسيلة

مر العالم في الآونة الأخيرة بأزمة كبيرة تسببت بها جائحة كورونا (الجائحة الأشهر بالتاريخ المعاصر) فأغلقت المصانع واوصدت المطارات أبوابها ووقفت كثير من الدول امام استحقاق حيوي يتمثل في كيفية تأمين مستلزمات واحتياجات شعوبها، بل ان المصانع نفسها والشركات وقفت حائرة امام صعوبة تحصيل المواد الأولية للعمل والإنتاج وهو ما جعل أسعار المنتجات في كثير من الدول تصل لمستويات سعرية مُتضخمة وغير مسبوقة، فها هي الكمامات تتحول من مجرد قناع للفم لمنتج يحمل بين ثناياه تصريحا للتحرك والانتقال وها هي القفازات وبرغم بساطة صناعتها تتحول لمنتج مفقود يبحث عنه الملايين، ناهيك عن مواد التعقيم والتنظيف المتنوعة، وهنا وفي خضّم هذه الحرب المتأجِجة في ذلك الوقت بين القدرة على الإنتاج وبين ما تحتاجه الأسواق ظهرت أهمية التخزين، وهو ما جعل الشركات التي تمتلك ذلك المخزون تمتلك معه فرصتها الذهبية بالانتشار وتحقيق الأرباح، وهو ما يحملنا للسؤال المهم: فما هو التخزين؟ وما هي أهدافه؟ وما هي اهم عوامل اختيار طُرُقه واماكنه؟ أولا وقبل أي شيء فإنه يجب الإشارة الى ان عملية التخزين هي عملية قديمة جدا بدأت مع تزايد حاجات الانسان بالإضافة الى عدم توافر مستلزماتها بشكل مستمر وفي جميع أوقات السنة، وهو ما جعل المجتمعات القديمة تقوم بالبحث عن أفضل الطرق للاحتفاظ بالمواد وخاصة الغذائية منها وذلك لأطول فترة ممكنة على ان تكون صالحة للاستخدام في أي وقت تظهر فيه الحاجة لها، وهو ما يقودنا بشكل مباشر لتعريف التخزين والذي يمكن تعريفه على أنه عملية جمع المواد والاحتفاظ بها لحين الحاجة اليها، وذلك بهدف المحافظة عليها لتكون متوفرة بحالة صالحة للاستخدام او الاستهلاك بعد فترة زمنية مُحددة وهي ما تُعرف بفترة التخزين. اما بالحديث عن الهدف من هذه العملية فهو أولا ضمان وجود هذه المواد لفترة زمنية مُعينة غالبا ما تكون أطول من عُمرها الافتراضي وذلك عن طريق حمايتها من الظروف الطبيعية وغير الطبيعية التي قد تُسبِب بعض التغييرات غير المرغوب فيها في هذه المواد، كذلك فانه ومن الناحية المالية فان التخزين يهدف الى تحقيق وفر بالأرباح خاصة للسلع المتوقع ارتفاع سعرها السوقي مستقبلا او حتى في المواد التي قد يحصل بها المشترى على خصومات سعرية بسبب شرائه لكميات كبيرة منها وهو ما يجعله بحاجة لتخزينها لفترات مستقبلية لاحقة يتم بها استعمالها، أما من الناحية التسويقية فان الهدف من التخزين هو إرضاء المستهلك عبر تلبية احتياجاته بأسرع وقت وبأفضل طريقة وجودة، وأخيرا فانه من وجهة نظر إنتاجية فان غالبية المصانع قد تكون بحاجة لتخزين كميات مُحددة من المواد الأولية وذلك بهدف ضمان استمرارية واستقرار عملية التصنيع خاصة في حالة مَوسِمية بعض المواد او إمكانية عدم توافرها بشكل دائم. هذا وبالرغم من ان النظرة الأولية تُوحِي بان عملية التخزين هي عملية بسيطة وسهلة الا ان التجارب الواقعية اثبتت ان التخزين وفي بعض الأحيان يحتاج لمهارات تقنية وفنية مُعقدة وهو ما يأخذنا للحديث عن اهم العوامل لاختيار مكان وطريقة التخزين والتي يمكن تلخيصها بما يلي: ان يكون مكان التخزين مُستوفِيا لشروط الامن والسلامة للعاملين به وللحاجات الأساسية للعمل مثل الكهرباء و الماء و طرق التهوية والتبريد وكذلك للظروف والاشتراطات المطلوبة للمحافظة على جودة المواد المُخزّنة مثل درجة الحرارة ونسبة الرطوبة مثلا، كذلك فان قرب المخزن من أماكن الإنتاج والتوزيع وسهولة الدخول والخروج منه قد يُوفِّر الكثير من الوقت والجهد والتكلفة على المؤسسات والشركات التي تقوم بهذه العملية وأخيرا فإن مساحة المخزن نفسه وتجهيزه بالأرضيات والرفوف والمستلزمات المناسبة يُعتبر من اهم عوامل نجاح عملية التخزين، وهنا تجدر الإشارة الى ان اختيار المواد المُقرر تخزينها بالإضافة الى دراسة جدوى العملية نفسها عبر تقدير تكلفة ايجار او بناء المخزن هي عامل مهم لا يجب اغفاله في هذه المنظومة، فقد يكون من غير المقبول وفي كثير من الأحيان دفع مبالغ طائلة لتخزين مواد يُمكن الحصول عليها بشكل مُستمر ويسير من قبل الموردين وهو ما قد يتسبب لاحقا برفع تكاليف هذه المنتجات على الشركة دون سبب حقيقي لذلك. وأخيرا وبرأيي الشخصي فان عملية التخزين هي عملية اقتصادية بحتة يجب ان تتم دراستها عبر تحديد المواد المُراد تخزينها أولا ومن ثم عبر تحديد مكان وطريقة التخزين وهو ما يضع مسؤولي العملية امام قرار حاسم لتحديد كمية ونوعية المواد التي يجب ان يتم تخزينها وهو ما قد يُعرضه في حالات سوء الاختيار الى تحمُل تكاليف إضافية كان في غِنى عنها، وكذلك فإنني اركّز وبشكل كبير على ان دراسة توقعات الطلب والعرض المستقبلية للمواد المُخزّنة هو المفتاح الرئيسي لنجاح هذه العملية، وهنا أستذكر احدى اهم وانجح عمليات التخزين في التاريخ وذلك حين قام "سيدنا يوسف عليه السلام" بتفسير رؤية الملك واخبره بانهم سيواجهون سبع سنوات من الفقر والقحط بعد سبع سنوات مزدهرة ومُثمرة، وهو ما جعله يطلب منهم أن يخزنوا القمح بسنابله منعًا لحدوث مجاعة في السبع العجاف وهو ما يجعلني ايضا انحنى امام الاعجاز الالهي حيث أكدت الدراسات الحديثة أن تخزين القمح بسنابله هو الطريقة الصحيحة والأساسية للحفاظ عليه.