جريمة التحريض على الانتحار

تعتبر جريمة التحريض على الانتحار من الجرائم التي تمس حياة وسلامة الأشخاص، وفي إتيانها تهديد بالبشرية جمعاء بحكم أن هذه الجريمة ماسة بوجود الإنسان وانتهاك حرمة ذاته، لذلك كان المشرع القطري شديد الحرص على تجريم الأفعال التي من شأنها تحريض الأشخاص على إنهاء حياتهم، حيث نصت على ذلك المادة 305 من قانون العقوبات التي ورد فيها: "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سبع سنوات كل من حرض شخصا أو ساعده بأي وسيلة على الانتحار، إذا تم الانتحار بناء على ذلك. فإذا كان المنتحر لم يبلغ السادسة عشرة، أو كان ناقص الإرادة أو الإدراك، عوقب الجاني بالحبس مدة لا تتجاوز عشر سنوات. وإذا كان المنتحر فاقد الاختيار أو الإدراك، عوقب الجاني بعقوبة القتل العمد، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تتجاوز سبع سنوات إذا عفا ولي الدم أو قبل الدية".     ويقصد بالتحريض على الانتحار حمل الشخص على وضع حد لحياته بالوسائل التي تؤدي لتلك النتيجة، وخلق فكرة الوفاة لديه مع ترسيخها في ذهنه إلى أن يقتنع بها ويشرع في ارتكاب الأفعال المؤدية لها، ولكي تسند إلى الشخص جريمة التحريض على الانتحار ويتابع بالعقوبة المقررة وجب أن يتحقق الركنان المكونان لهذه الجريمة، وهما الركن المادي والركن المعنوي.     بموجب المادة 26 من قانون العقوبات يتكون الركن المادي للجريمة على العموم من نشاط إجرامي بارتكاب أو ترك فعل مجرم طبقا للقانون، وبذلك يتكون الركن المادي لجناية التحريض على الانتحار من فعل التحريض، ويتحقق التحريض على الانتحار بأي وسيلة يستعملها الجاني لخلق فكرة الانتحار لدى المجني عليه، ومن خلال تشجيعه على اتيان ذلك الفعل وتدعيمه بجميع المحفزات التي يقتنع معها المجني عليه على فكرة وضع حد لحياته، ويشترط أن يكون التحريض قد حصل مزامنا لفعل الانتحار أو محاولة ذلك، بمعنى أن الجاني ليكون متابعا بجريمة التحريض على الانتحار يلزم أن يكون ذلك قد تم في زمن قريب من النتيجة الحاصلة، أما وأن يكون الشخص قد حرض آخرا على الانتحار ولم يقتنع المجني عليه، أو لم يستجب للتحريض، ثم بعد ذلك بزمن طويل انتحر أو حاول ذلك فإن فعل التحريض لا يكون قد تحقق نظرا للتباعد الزمني بين الفعلين، ومن ثمة لا يكون الانتحار نتيجة للتحريض.     أما الركن المعنوي لجريمة التحريض على الانتحار يقوم على عنصرين أساسيين هما العلم والإرادة، ويقصد بالعلم أن يكون المحرض واعيا بأنه يوجه عبارات، إشارات، أفعال أو غيرها من السلوكات كلها تحمل وقعا على المجني عليه من أجل التأثير فيه، ودفعه على ارتكاب أفعال نتيجتها الحتمية هي إنهاء حياته، أما إذا لم تكن لدى الفاعل دراية بأن ما يقوله أو يفعله يؤثر على المجني عليه ويدفعه إلى الانتحار فإن هذا الجانب من الركن المعنوي للجريمة ينتفي ولا يكون هنالك محل لمتابعة الفاعل.     والإرادة هي ذلك الشعور الداخلي الذي يتجه عن قناعة وإدراك تام إلى تحقيق النتيجة الإجرامية، وفي جناية التحريض على الانتحار لابد أن تتجه إرادة الفاعل إلى تشجيع المجني عليه عليه الانتحار بغية حدوث وفاته، وهذه الإرادة يجب أن تترجم بفعل مادي ملموس سواء إيجابي أو سلبي، أما مجرد ذهاب إرادة الشخص إلى تمني حدوث انتحار شخص آخر لا يمكن متابعة الفاعل بأية جريمة، لأن القانون لا يعاقب على مجرد أمنيات أو نوايا لم تتحق بفعل مادي على أرض الواقع.     والملاحظ أن المشرع عاقب على إتيان جريمة التحريض على الانتحار، ويشترط في ذلك تحقق النتيجة المتمثلة في وفاة المجني عليه بسبب الانتحار، أما إذا لم تتحق النتيجة فإن المشرع لم يفرد عقابا لمن حرض على محاولة الانتحار حتى ولو نتجت عن ذلك إصابة خطيرة أو عاهة.