الرياضة.. اقتصاد يصقُل العقول

هلا بكم ارحبوا، هلا بكم ارحبوا، شرق وغرب ومن كل دول العالم، نعم إنها الدوحة، دوحة الجميع ودوحة العرب تفتح ذراعيها لمحبيها ومحبي كرة القدم، لتخلق لهذا الكوكب الجميل مساحة خاصة من الفرح والبهجة، ثمانية وعشرون يوما من التنافس الرياضي والبهجة التي تلف العالم عبر ملاعب ثمانية بنتْها وشيدتها أياد وعقول كانت ومنذ اليوم الأول تحلم بصافرة البداية، نعم إنها فسحة للبهجة والسرور في عالم أثقلته معدلات التضخم وتوقعات الركود، دوحة الخير وقطر الخير تقول وبصوت واثق النغمة: نحن هنا، دولنا العربية هنا، والشرق الأوسط الذي طالما اثقلتموه حروبا وتحديات هنا، مشعل من نور حملته سواعد عربية انطلقت من بين ظلمات الكورونا والحرب الروسية الأوكرانية وغيرهما الكثير والكثير من مشاكل اقتصادية ومالية عانى منها العالم في سنواته الأخيرة، نحن هنا لنكتب ومن قلب الخليج العربي رسالتنا إلى كل العالم بأن الإنسان ومهما واجه من صِعاب قادر على الوحدة والتجمُّع، قادر على إبراز صورة جميلة من التنافس الرياضي الشريف على ارض عربية وتحت سماء واحدة، انتم قادرون على الاستمرار ونحن قادرون على تقبل الآخر ضمن هويتنا ومبادئنا، نعم لدينا مساحة للجميع فوق ارض الخير والعطاء، مسابقة رياضية هي الأكبر في العالم، حلم يلازم كل لاعب حَمل الكرة بين يديه وفي قلبه، حلم لكل الشعوب وكأس لكل الناس. تحد كبير ومشوار طويل بدأ منذ عام 2010، ولكن الإصرار كان أكبر بكثير، عمل مُستمر في صمت وتفان، وها نحن هنا اليوم نقول للعالم: نعم لقد حققنا حلمنا وحلمكم، انتهى الحلم واصبح واقعا جميلا، كانت صافرة البداية تُدوِّي على شاشات العالم وفي قلوبنا وكان الافتتاح الأجمل على مرِّ كل البطولات السابقة، درسنا وخطّطنا وشيّدنا وحقّقنا، ولم ننظر خلفنا يوما بل كانت أنظارنا دوما تشخص للأمام، وهنا ومن وجهة نظري كرجل اهتم بالاقتصاد والرياضة في آن واحد، يتبادر إلى ذهني سؤال مهم، فما العلاقة بين الرياضة والاقتصاد؟ وما أهميتها من الناحية الاقتصادية؟ وكيف يُمكن لمسابقات ومنافسات بين المنتخبات أن تبني جسورا من العمل والإنتاج؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا ملاحظة أن تغيرات العصر والتكنولوجيا الحديثة قد حوّلت علم الاقتصاد من علم خاص بالمال والإنتاج إلى وعاء تتداخل فيه وتتشابك معظم العلوم والصناعات، فهذا التباين الكبير والتوسع اللامتناهي في عناصر وطرق الإنتاج، بالإضافة الى الموارد الاقتصادية المحدودة والحاجات المُتزايدة للاستهلاك في ظل تسويق رقمي قوي لم يترك أي فرصة استثمارية غير مُستغلة، فاجتمعت كلها لتتحول إلى روافد تتحرك كيفما تشاء على أن تصب في مجرى واحد وهو علم الاقتصاد، فالرياضة مثلا وهي في الأساس ذلك النشاط البدني الذي يقوم به الناس بحثا عن الترفيه والتسلية تحولت مع الأيام إلى حاجة صِحّية مُلِحّة ورافد اقتصادي كبير بالنسبة لكل من الفرد والدولة، فبالنسبة للفرد هي أداة مُهمة لتحسين قدراته الصحية والبدنية وإطالة عمره الإنتاجي وتقليل فرص إصابته ومرضه، وهي أيضا مصدر أساسي للدخل لمن يعمل بأي من المِهن المرتبطة بها، أما بالنسبة للدولة فالرياضة تعمل على زيادة كفاءة المواطنين وتقليص معدلات الإنفاق العلاجي والصحي، بالإضافة إلى مساهمتها المباشرة في الاقتصاد القومي عبر العاملين والمُشاركين وحتى مجموعة المسابقات والفعّاليات والأنشطة التي ترتبط بها أو تدور في فلكِها، فهي وكما ذكرنا سابقا مركز جاذب للاستثمار من جهة ومورد مهم للإيرادات عبر الاستهلاك والإنفاق من جهة أخرى وهو ما يظهر بشكل جلي في موازنات وميزانيات كثير من الدول، فإذا نظرنا الى البرازيل مثلا - وهي تلك الدولة البعيدة التي لطالما عانت من ضغوطات اقتصادية ومالية - لوجدنا أن جزءا كبيرا من دخلها القومي يتعلق بالرياضة وبالتحديد في كرة القدم فهي تتمتع بعنصر بشري موهوب ومُتميز وهو ما أعطى للدولة شهرة عالمية في هذا المجال بل وهو ما حوّل كثيرا من الأشخاص إلى مشجعين ومُحبِّين لهذه الدولة التي قد لا يعرفون عنها إلا أسماء لاعبيها وتاريخهم الكروي، ملاعب ووظائف، بطولات ودورات وإعلانات وأفلام سينمائية، تذاكر واحتفالات وسفر ومؤتمرات، ناهيك عن وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها المباشر وغير المباشر على بيع المنتجات والسلع البرازيلية وخاصة تلك التي يستخدمها هؤلاء النجوم، دورة اقتصادية فريدة وجميلة تضُجُّ بالأمل والحيوية، مُفعمة بالحياة وحب الانتصار، وهنا يجب الإشارة إلى أنه وتاريخيا فإن بدايات الارتباط الاقتصادي الرياضي كانت في أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث بدأت الرياضة في ذلك الوقت تُمثِّل وسيلة دعاية مُهِمة وطريقة إشهار واسعة الانتشار، كما أن تزايد أعداد الرياضيين والمُتابعين في ذلك الوقت كان قد خلق سوقا رابحة في مجال إنتاج وتسويق واستهلاك الأجهزة والمعدات الرياضية - وهي سوق جديدة آنذاك - بعد فترة من الدمار والمعاناة وما لحِقه من كساد في أعقاب تلك الحرب. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الرياضة والأنشطة الرياضية هي من افضل الروافد والمجالات الاقتصادية التي تساعد على بناء شخصيات مُتفردة تعمل وتُعطي للمجتمع دون أن تشعر بما تساهم فيه من آثار إيجابية تبدأ بالتوجيه الصحيح لقدرات الشباب ولا تقف عند صقل الاجسام ونشر الطاقة الإيجابية بين الناس، وهنا أستذكر مقولة الرياضي الأمريكي "مايكل جوردان" حين قال "الرياضة تساعدك في بناء قواك واكتشاف الكثير من مواهبك وقدراتك التي كنت تجهل وجودها لديك".