لا تملكون غير المال

عندما توجه لك تهمة ما وأنت بريء منها تماما، أو يتعمد أحد شتمك أمام الملأ، فستشعر بالغيظ والغضب والإهانة وستدفعك كرامتك وعزتك بالدفاع عن نفسك والعمل بكل ما أوتيت من قوة لإثبات براءتك واستقامتك، وستطالب بحقك في الاعتذار والتعويض للأضرار المعنوية التي لحقت بك، لأن اسمك وكرامتك فوق كل شيء ولا يمكن أن تسمح لأي أحد كان، أن يعبث بها ويتجرأ ويصفك بصفات غير لائقة أو بأفعال غير أخلاقية. ولكن عندما تلتزم الصمت وتتجاهل تلك الشتائم والتهم وكأن شيئا لم يحصل أبدا، وترفض الدفاع عن براءتك وكرامتك، وتقوم بتوطيد الصداقة مع من شتمك، سوف يعتقد الآخرون بأنك مذنب حقا ولن يتعاطفوا معك، وسيطالب الجميع بتنفيذ الجزاء والعقوبة على ما ارتكبته من ذنب وأعمال خاطئة. إن من أهم وأخطر التهم والإهانات التي وجهها سيد البيت الأبيض دونالد ترامب إلى شعوب دول مجلس التعاون الخليجي، هي تلك التهمة الشهيرة التي لا يزال رنينها المصدع للسمع والوجدان يزعجنا جميعا، قالها خلال حملته الانتخابية ومتباهيا بها ليكسب ود الناخبين، حيث قال موجها كلامه لدول الخليج: «لا تملكون غير المال، ولا وجود لكم من دوننا». لقد سخر منا هذا الرجل وشتمنا واحتقرنا واتهمنا بأننا شعوب بلا فكر ولا عقل ولا رؤية مستقبلية ولا قيمة لنا في السياسة والاقتصاد العالمي، وليس لدينا القدرة على التخطيط وبناء دولة عصرية باقتصاد قوي ومستقر، وغير قادرين على حماية أنفسنا كما تفعل الدول الأخرى، وقال إن المال هو الشيء الوحيد الذي نملكه، إلا أنه وحسب رأيه نجهل الكيفية التي يمكن بها استغلاله في خلق تنمية مستدامة، إذ نفتقر إلى القوة الفكرية والمواهب الإدارية الفعالة اللازمة لذلك. تهمة لا يمكن أن يقبل بها أي شعب محترم يعتز بنفسه ويفتخر بمنجزاته وحضارته وقدراته الذاتية. فهذا يعتبر تجاوزًا للخطوط الحمراء المتعارف عليها أخلاقيا ودوليا، كما أنه من أبشع أنواع الابتزاز والإهانة والعنصرية. صمتنا وعدم الدفاع عن حقوقنا يعني الاعتراف بأننا شعوب ضعيفة لا حول لها ولا قوة، لا نقدر على حماية أنفسنا من أي خطر داخلي أو خارجي كان، كما أن بقاءنا مرهون برضا من يوجه لنا الإهانات ويبتزنا ليسلب منا الحقوق والأموال. إن استمرار هذا الضعف والعجز المخيف سوف يحفز الآخرين على ابتزازنا وتلفيق المزيد من التهم لسلب ثرواتنا المالية والنفطية، لنبقى عاجزين عن تحقيق النمو والتطور والرقي لمجتمعنا، وفوق كل ذلك سنبقى أذلاء تابعين غير منتجين يلازمنا الخوف والرعب من أطماع الدول الأخرى ونتسول لمن يقبل بحمايتنا مقابل المال والركوع له.