فيما ينتظم التخطيط خطوات عديدة، من أهمها، توفير دعم سياسي واسع من الحكومات ومن كبار المسؤولين، إشراك وحشد مجموعة كبيرة من الجهات المعنية، وضع أطر زمنية واقعية لإنجاز النتائج، مواءمة الميزانيات الوطنية مع البرامج القطاعية، وضع مؤشرات قابلة للقياس يمكن من خلالها تقييم التقدم المحرز، وخلق المؤسسات القادرة على تقديم خدمات موثوقة ذات جودة عالية، فإن الخبراء وأصحاب القرار يجب ألا يغفلوا عن بعض التحديات البنيوية، والهيكلية (التي ينصب حولها مقال اليوم)، والمؤسسية، التي أعاقت إمكانية بناء شراكة ذكية (بين الدولة، القطاع الخاص والمواطن)، قوامها برامج عملية، تسندها خطة علمية ومنهجية محكمة، مع تتبع منطقي وحثيث للخطوات التنظيمية آنفة الذكر. في كتابه (في مواجهة أزمة عصرنا)، يفسر د. سمير أمين الأزمة التي نعيشها بأنها أزمة هيكلية تتمثل في الاستقطاب العالمي الذي ألغى فاعلية الدولة على التدخل من أجل تأطير قوانين السوق كما حرمت المجتمعات من قدرتها على تطوير ديمقراطية ذات مضمون اجتماعي شعبي. لقد أطبق الغول (غول العولمة) بفكيه - الانفتاح الاقتصادي والفيدرالية السياسية - على مجتمعات الجنوب إطباقاً أذهلها عن نفسها وسلبها فرصة التضامن المطلوب لمواجهة التحدي لفرض مشروع مستقبلي يتجاوز المحلية لتحقيق عالمية شاملة تخضع العولمة لاحتياجات التقدم الاجتماعي ومقتضيات الرفاه الإنساني. إذن، لسنا في حاجة إلى أجندة تفتيتية (أو أخرى بهرجية ذات طابع صحفي وإعلامي) قدر حاجتنا إلى منهجية كلية تجمع بين آليات الاقتصاد والصراعات السياسية والاجتماعية التي حددت إطار حركية المجتمع على الأصعدة الوطنية وعلى الصعيد العالمي. لقد بات واضحا أن البلاد المتخلفة لن تستطيع أن تنمو مستخدمة الجينات الوراثية للدولة القومية التي تبلورت فيها القومية قبل السلطة السياسية متسببة في عدم القدرة على اجتراح المعجزات بالدخل الضئيل الذي تحصل عليه من الصادرات الأولية أو القليلة التصنيع مع (ينمو الطلب العالمي على المنتجات الصناعية ذات التكنولوجيا العالية 15% والمنخفضة 5%)، ثانيا، تزايد العولمة، تتقلص السيطرة الوطنية على الاقتصاد، يتآكل جوهر الديمقراطية ويتقلص الشعور بالانتماء إلى أمّة أو مجتمع (إن اعتماد التكيف الهيكلي كوسيلة مثلى لترسيخ الجدارة الائتمانية لهذه البلدان المتخلفة، بل إلزامها عقيدة «السوق الحرة» قد حرم النخب دورها الريادي وأقعد الدولة عن واجبها السياسي والاجتماعي. تآكل جوهر الديمقراطية تدريجيا إذ فقد المواطنون الأمل في تحسن أحوالهم المادية واصطدموا عنوة بالدولة التي استعاضت عن السفارة بوكالة تمارسها نيابة عن الارستقراطية العالمية في إدارة شؤون البلاد الاقتصادية)، ثالثاً، التحول المتعجل إلى اقتصاد السوق أدى إلى تعطل الوظائف الثقافية والاجتماعية والبيئية والهيكلية والنوعية العميقة (لابد من استحداث تكاملية بين الغذاء والطاقة والماء تؤدي إلى توازن مادي واجتماعي من خلال الضبط لدورة الإنتاج وتحسن معدل الاستهلاك). ثالثاً، مغادرة غالبية السكان الحياة الريفية بيد أنها لم تتحول إلى طبقة وسطى عريضة تعي واجباتها المدنية وحقوقها الديمقراطية (70% من الجنس البشري سيعيشون في المدن 2050). أخيراً، انخفاض القدرة الشرائية والفقر المدقع تحول دون تشكيل اقتصادات سوق حقيقية ذات أبعاد وطنية. بيد أن بعض الدول الجادة والمصممة على تجاوز الصعاب، مثل قطر، تسعى تدريجيا رغم العثرات لتحديث اقتصادها وتجاوز العمالة الرخيصة والصادرات الأولية.