روتين العمل..... عقدة في المنشار

إنجاز الأعمال بأسرع وقت هو حلم جميل وهدف صعب يضعه الناس دوما أمام اعينهم، فما من مراجع لأي شركة، وما من شخص قام بتقديم طلب أو معاملة مهما كان نوعها وفي أي دائرة الا ويبحث بين كومة القش عن تلك الابرة والعصا السحريّة التي قد يستعين بها ليُنجز ما يحتاجه من معاملات وأوراق في اقصر مدة زمنية مُمكنة، ساعات بل أيام وأسابيع يقضيها المراجعون بين جدران المؤسسات لإنجاز اعمال يومية تتكرر بشكل مُستمر في ملفّات تقبع بين ادراج المكاتب والمراسلات البريدية بانتظار ختم من هنا وإمضاء من هناك، بيروقراطية إدارية وخطوات يجب اتِّباعها بترتيب مُعين ومُحدّد يسمِّيها الناس (مراحل إتمام المعاملات)، نظام وضعه المُشرِّع المسؤول بهدف التأكد من نجاح إتمام العمل وتقديم افضل خدمة مُمكنة للمراجعين، نعم هذا هو الهدف الأساسي الذي حوّل كل ما نحتاجه الى أوراق مطبوعة ننتقل بها من مكتب الى آخر ومن طابق الى طابق بل واحيانا من مؤسسة الى أخرى لتنفيذ إجراءات مُتعارف عليها بدأت بنِيِّة ضمان إنجاح العملية وتحوّلت في كثير من دول العالم لاحقا الى عوائق ومهمات تحمِل في طياتها معاناة كثير من المواطنين العاديين الذين باتوا في أغلب الأحيان مُجبرِين على اخذ يوم إجازة واحد على الأقل لإنهاء ما يحتاجونه من أوراق ومعاملات، خطوات عملية تُنظِّمُها كثير من الدول والحكومات باتت في كثير من الأحيان تُعرقل الاعمال بقصد او بغير قصد لتُعرف فيما بعد باسم "الروتين الإداري" أو الفزاعة التي يراها امامه كل من يريد ان يُنهي معاملة اعتيادية وفي اغلب الأحيان ضرورية للحصول على موافقات او ضمانات لتسيِير حياته اليومية، وهنا يأتي السؤال المُهم، فما هو الروتين الإداري وكيف كانت نشأته؟ وما هو الهدف منه؟ وما هو تأثيره على سير الاعمال في كثير من دول هذا العالم الصغير بمضمونه والكبير بتشعباته وتفاصيله؟ أولا وقبل كل شيء فإنه يُمكن تعريف "الروتين الاداري" أو "البيروقراطية" من الناحية اللغوية بأنه كلمة تتكون من مقطعين: المقطع الأول هو "بيرو" وهي كلمة كانت تستخدم في بداية القرن الثامن عشر وتعني المكتب أو مكان العمل، والمقطع الثاني وهو "قراطيه " وهي كلمة إغريقية تعني السُلطة، لتصبح " البيروقراطية" بمقطعيها كلمة تعني قوة أو سُلطة المكتب، أما تعريفها العام فهو أنها طريقة للتنظيم الإداري بين مجموعةٍ من الناس يعملون معاً عبر إجراءات موحدة وتسلسل هرمي ثابت للصلاحيات والمسؤوليات بحيث يقوم كل شخص منهم بتنفيذ او إتمام جزء من العمل، حتى يتم إنجازه كاملا فيما بعد، هذا وقد عرّف "فريتز ماركس فيرى" البيروقراطية بأنها الشكل أو النمط التنظيمي لأداء الوظائف العديدة المُتخصصة في النظام الإداري، وهنا تجدُر الإشارة الى ان نظرية البيروقراطية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في ألمانيا، على يد عالم الاجتماع الألماني "ماكسيميليان كارل ويبر" والذي قام حينها بوضع نموذج نظري يقدم مفهوماً مثالياً للنظام الإداري مبنينا على خبراته الشخصية ويتّفق مع التوجهات السائدة في واقع الحياة في ذلك العصر وذلك بهدف انجاز المعاملات والاعمال المطلوبة من الموظفين والعاملين، والذي اعتقد حينها بأنهُ سيلائم كل البيئات والمجالات الإدارية، ولذلك فقد حدّد من خلاله مهام وصلاحيات الرؤساء والمرؤوسين بدقة متناهية في لوائح وإجراءات وقواعد مكتوبة تحكُمُها مجموعة من الضوابط الواضحة والثابتة، والتي وصفها حينها بأنها تقوم على التخصص في العمل ضمن تسلسُل هرمي مُحدّد للسلطة، وعبر مجموعة من الإجراءات والقواعد الرسمية التي ينتُج عنها تفاعل موضوعي لا يقوم على العلاقات الإنسانية والشخصية. أما بالحديث عن اهم مؤثرات الروتين الإداري الإيجابية على قطاع الاعمال فهي انه يساعد في تنظيم الإجراءات عبر التحديد الدقيق للصلاحيات والمسؤوليات الخاصة بموظفين مُتخصِصين اعتادوا القيام بأعمالهم بشكل دوري ما يساعدهم على توفير الوقت والجهد وأيضا اختصار الوقت وهو ما يجب ان يضمن تنفيذ الاعمال وتحديد المسؤوليات عن أي تأخير أو تعطيل مُرتبط بسير العمل، ومن ناحية أخرى فان البعض يرى ان سلبيات العمل الروتيني كثيرة ومنها قتل روح الابداع والتطوير لدى العاملين بسبب إلزامِهِم بتنفيذ اعمال مُحدّدة ومنصوص عليها في اللوائح مما يُحوِّل الموظف الى شخص لا يرغب بتحمُل مسؤوليات إضافية لا ترتبط بما اُوكِل إليه من أعمال واضحة ومُحددة إضافة الى دور الروتين الواضح في انخفاض الإنتاجية وصعوبة إيجاد حلول سريعة للمشاكل والحالات الغير تقليدية التي قد تواجه بعض المراجعين بسبب سلوك التمسُّك بتنفيذ اللوائح وجعلها أولوية للقيام بالعمل دون التفكير بأي مبادرة شخصية خارج الصندوق لكسر هذا الروتين. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الروتين الإداري وبرغم أهميته الا انه يجب ان يكون نموذجا مرِنا قابلا للتغيير والتعديل بناء للتطورات السريعة التي يمر بها العالم، فتغيُّر الظروف والأدوات لا بد ان يحمل بين طياته تغيُّر اللوائح والإجراءات حتى لا نقع جميعا في فخ التأخير والعرقلة لنشاطات واعمال كانت مُعقدّة فيما مضى ولكنها أصبحت اليوم سهلة وبسيطة، مع التركيز على ان روح تطبيق الإجراءات يجب ان يكون هو الأولوية الأساسية لكل من يعمل في إدارات يحتكُّ بها بجمهور الناس والمُراجعين دون اغفال تطبيق القوانين وإعطاء كل ذي حق حقه، وهو ما يجعل من الموظف المسؤول عن الاعمال هو كلمة السر والبطل الحقيقي في هذه المنظومة الإدارية الناجحة التي يُطلِق فيها المسؤول العنان لخياله المهني في خلق وابتكار طُرق مُختصرة لإتمام الاعمال بطريقة سريعة ومُيسّرة تراعي العدالة في التعامل وتقوم على تطبيق روح القانون الواسعة بعيدا عن دهاليزه الضيِّقة، وهنا أتذكر مقولة المؤلف الأمريكي "لو بارلو" حين قدم النصيحة للناس فقال "تطلّع إلى الخيال حتى في الروتين اليومي للعمل".