بعد المساهمة في إنعاش الاقتصاد

ألمانيا.. المستفيد الأكبر

لوسيل

عبد الرحمن أبو العينين

تباينت مواقف الدول الغربية من أزمة اللاجئين والتعامل معها، فهناك دول رأت أن اللاجئين يمثلون عبئا سياسيا واقتصاديا عليها، في حين رأت أخرى أنهم يمثلون عامل قوة اقتصادية، واتجهت للاستفادة منهم والتركيز الاقتصادي عليهم باعتبارهم قوة عمل منتِجة وليست مستهلِكة.

وظهر ذلك واضحا في مواقف بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا التي كانت في مقدمة الدول التي استقبلت اللاجئين وقررت دمجهم في قوة العمل رغم الاعتراضات السياسية هناك، لتكون ألمانيا المستفيد الأكبر من أزمة اللاجئين.

واستفادت ألمانيا من الأزمة في حل مشكلة الشيخوخة ونقص العمالة، فالعمالة التي تزيد أعمارها عن 65 سنة ارتفعت من 20.6% في عام 2011 إلى 32.3% في عام 2050، ما يؤثر على حجم سوق العمل بنحو 14.8 مليون شخص وهو ما يضر بالنشاط الاقتصادي، لتتحول أزمة اللاجئين إلى فائدة كبرى للاقتصاد المحلي بعد أن أسهم اللاجئون في تنميته.

يأتي ذلك الموقف مناقضا لمواقف دول أخرى تعد ضمن القوى الاقتصادية العالمية، فهناك دول كبرى ذات دخل مرتفع، مثل روسيا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية، غير أنها لم تقدم أي إمكانات لإعادة توطين اللاجئين. بخلاف دول أخرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والتي تشكل أكبر 6 اقتصادات في العالم واستقبلت 2.1 مليون لاجئ، أي ما يعادل 9 % من إجمالي اللاجئين رغم أن عددهم يزيد على أكثر من 65 مليون لاجئ ونازح داخليا فقط.

وقد اتبعت ألمانيا سياسة الباب المفتوح وهي تدرك أنها تتحمل تكلفة اقتصادية كبيرة لإيواء اللاجئين، لكن في المقابل، يحقق لها وفورات اقتصادية كبيرة، لاسيَّما على صعيد أسواق العمل. ولذا اتخذت الحكومة الألمانية موقفًا داعمًا ومؤثرًا لقضية اللاجئين فوافقت مؤخرًا على تعليق تطبيق نظام دبلن للاجئين السوريين، بما يسمح لهم بطلب اللجوء مباشرة في ألمانيا. واستعداد البلاد لاستقبال 800 ألف من طالبي اللجوء خلال عام 2015 فقط، ومنهم السوريون، وهذا ما أكده رئيس اتحاد الصناعات الألماني أولريش جريللو عندما أكد أن دمج اللاجئين السريع في سوق العمل، لن تقتصر منافعه على اللاجئين أنفسهم فقط، بل على سوق العمل الألماني أيضًا.

ورغم أن معدل البطالة الألماني واصل هبوطه إلى 6.4% في أغسطس من العام الماضي فإن اتحاد أصحاب العمل بألمانيا كشف أن البلاد لا تزال بحاجة إلى 140 ألفًا من المهندسين والمبرمجين والفنيين. وتتوقع مؤسسة بروجنوز للأبحاث أن تواجه ألمانيا نقصًا في العمال المؤهلين يرتفع من 1.8 مليون في عام 2020 إلى 3.9 ملايين بحلول عام 2040، علمًا بأن النقص الأكبر في العمالة المهرة، يتركز في قطاعات الهندسة والتصنيع والرعاية الصحية في البلاد. وهذا ما دفع الشركات الكبرى للاهتمام بهذه العمالة وتوطينها في الوظائف ومنها شركة دايملر للسيارات التي رحبت باستقبال العمالة الماهرة.

ورغم الترحيب الألماني بجلب العمالة السورية وأن ذلك يستنزف الكثير من ميزانيتها في الإنفاق على تعليمهم اللغة الألمانية والحصول على التدريب المهني المطلوب، فإنها ترى أن المكاسب أكبر وأشمل بإنعاش السوق وسد الفراغ في الكثير من الوظائف المتدنية التي يرفضها الألمان، سواء في مجال النظافة أو الزراعة وغيرها، لأن فائض المعروض من العمال اللاجئين يوفر ميزتين رئيسيتين للشركات الألمانية، الأولى سد نقص المهارات اللازمة في بعض الوظائف، والثانية إمكانية الاستفادة من دفع أجور منخفضة.

ومع ذلك هناك دول خسرت من الأزمة وتواجه بسببها تحديا اقتصاديا خطيرا، خاصة الدول العربية والإسلامية، بعد أن استنزفت الكثير من ميزانيتها مثل الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة وباكستان ولبنان. وكانت النتيجة أن تعثرت اقتصادات تلك الدول، وهو ما تعالت بسببه أصوات في الإعلام الأردني تطالب بوضع حل لمشكلة تدفق اللاجئين السوريين. وتبقى في النهاية أزمة اللاجئين متوقفة على القرار الاقتصادي ومدى الاستفادة منها وتحويلها إما إلى قوة دفع اقتصادية جديدة أو إلى عوائق ضد التنمية.