يعاني الاتحاد الأوروبي من أزمات اقتصادية خانقة، وأخرى تتعلق بالإرهاب واللاجئين، إلا أنه يعاني، بحسب دراسة روسية حديثة، من أزمات أخرى تتعلق ببنيته الأساسية، حيث يعاني من أزمة في قيادته وتماسك أعضائه، وأزمة في المبادئ والقيم التي بني على أساسها، إلى جانب ما أطلقت عليه الدراسة أزمة المشروعية . وتتناول الدراسة، التي نشرتها مؤخراً مؤسسة VALDAI الروسية، تلك الأزمات الخمسة، كل على حدة، بالرغم من إشارتها إلى مساحات التداخل وتبادل التأثير بينها، قبل الانتقال إلى تناول تأثيرات كل ذلك على مستقبل بروكسل .
الدراسة تشير إلى أن الاتحاد زاوج في السابق بين نموذجين للقيادة، تمثل الأول بـ المفوضية الأوروبية التي أنشئت مع بداية الاتحاد عام 1950 كأعلى مؤسسة مؤثرة في قرارات الاتحاد، وتبنت نموذج التكنوقراط في اختيار أعضائها، إلى جانب الرئيس ذي السمعة والكاريزما القوية.
بينما تمثل النموذج الثاني بالترادفية الألمانية- الفرنسية، حيث مارست باريس القيادة السياسية، في حين تكفلت ألمانيا بالحفاظ على النمو الاقتصادي.
إن عملية ألمنة الاتحاد الأوروبي لا تعني أن الاتحاد يعمل لمصلحة ألمانيا وحدها، ولكن ذلك يعني أن تضامن الاتحاد، سياسياً واقتصادياً، مع أعضائه أصبح تبعاً للرؤية السياسية لقيادة الاتحاد، أو الرؤية السياسية لبرلين، إلى حد بعيد.
وتناولت الدراسة الأزمة في القطاع المصرفي التي ضربت أوروبا عام 2008، كان أكبر ضحاياها اليونان، أيرلندا، قبرص، إسبانيا، والبرتغال، إضافة إلى تأثر فرنسا وإيطاليا بشكل كبير.
وفي 2013 عانت القارة العجوز من أزمة أخرى نتيجة تباطؤ الإنتاج وارتفاع نسب البطالة، قبل أن تضرب اليونان مجدداً أزمة زادت من الشكوك حيال قدرة العملة الموحدة، اليورو، على البقاء.
وذلك لضعف المنظومة النقدية المحلية لدى أعضاء الاتحاد، مقابل الاحتفاظ بسياسات خاصة، الأمر الذي أدى إلى تشوه المنظومة المالية، إلى جانب هشاشة معايير الاستقرار و حزم النمو التي يفرضها الاتحاد، والتي أثبتت فشلها في مواجهة الأزمات المحلية والعالمية.
وفي حين يشير الاتحاد الأوروبي لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون في العالم، تعجز بروكسل عن تأمين تلك القيم في الدول الأعضاء، الأمر الذي بدأ يظهر بشكل أكبر بعد تعرض دول الاتحاد لهجمات إرهابية، وتنامي نفوذ القوى اليمينية المتطرفة فيها.
ويظهر من بين أسباب ذلك، بحسب الدراسة، غياب المعايير الديمقراطية المؤسسة في بعض دول الاتحاد الجديدة، ووضع قيم ثانوية محل القيم الجوهرية، الأمر الذي ظهر جلياً في تعامل بروكسل مع أزمة اللاجئين.
ويعاني الاتحاد من أزمة المشروعية، في نظر الدراسة، حيث تفقد الدول الأعضاء جزءاً من سيادتها، ويفقد مواطنوها جزءاً من حقوقهم الديمقراطية، بل أظهرت تقارير تدني مستوى معرفة نسب كبيرة من المواطنين الأوروبيين بالاتحاد وآليات عمله، ومثَّلَ خروج بريطانيا من الاتحاد مؤشراً، في نظر الدراسة، على بداية انتقال تلك الأزمة إلى مرحلة إفراز النتائج.
أظهرت تقارير تدنياً كبيراً في مشاركة الأوروبيين في انتخابات البرلمان الأوروبي، حيث بلغ معدل المشاركة 40%، بينما لم يتجاوز 20% في بعض الدول، كما صعد بشكل كبير مستوى التصويت للأحزاب اليمينية المعارضة للاتحاد في الانتخابات المحلية في الدول الأعضاء.
وتذكر الدراسة في الختام بتصريح لداغ همرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة (1953-1961)، قال فيه بأن المنظمة الدولية وجدت لا لتمنحنا الجنة، بل لتحفظنا من الجحيم ، الأمر الذي تدعي الدراسة أنه ينطبق على الاتحاد الأوروبي عند تأسيسه، إلا أنه بدأ، لعجزه في التعامل مع ملفات مختلفة ومتراكمة، بجر أعضائه إلى أزمات حادة، قد تؤدي ببعضهم إلى الانهيار والإفلاس، ما لم تتم مراجعة شاملة لحالة الاتحاد.