بمناسبة اليوم الدولي للمانجروف.. خبراء:

خبراء: غابات القرم أصول اقتصادية تدعم الثروة السمكية والسياحة الزرقاء

لوسيل

خاص - لوسيل

احتفلت دولة قطر وكافة بلدان العالم أمس الأول باليوم الدولي لصون النظام الإيكولوجي لغابات المانجروف (القرم)، الذي أعلنته اليونسكو ويوافق 26 يوليو من كل عام، تبرز الأرقام العلمية الرسمية الدور الحيوي لهذه الأشجار النادرة عالمياً ومحلياً في قطر، في دعم الاقتصاد والأمن الغذائي.

أكدت دراسات علمية رسمية قطرية ودولية، مدعومة بآراء الخبراء، الأهمية الاقتصادية البالغة لغابات المانجروف (القرم) في قطر، بوصفها أصولاً طبيعية تدعم الثروة السمكية والسياحة البيئية واحتجاز الكربون وحماية السواحل، ضمن رؤية قطر الوطنية 2030 والاستراتيجية الوطنية للبيئة والتغير المناخي.

وفقاً لوزارة البيئة والتغير المناخي، تغطي غابات المانجروف نحو 14 كيلومتراً مربعاً على السواحل القطرية، يتركز أكثر من نصفها (أكثر من 7 كيلومترات مربعة) في محمية الذخيرة، إلى جانب مناطق الخور والوكرة ومسيعيد والرويس وفويرط وغيرها. وتواصل الوزارة جهود الحماية والتوسع في الاستزراع بالمواقع المناسبة، بالتنسيق مع جهات وطنية، مؤكدة أن هذه الغابات تقدم خدمات إيكولوجية ذات قيمة اقتصادية مباشرة، تشمل دعم الموارد السمكية والحفاظ على التوازن البيئي الساحلي، بالإضافة إلى كونها وجهات مفضلة للسياحة البيئية.

خريطة المانجروف الاقتصادية

أشارت الوزارة إلى أن التقديرات العالمية تظهر أن الهكتار الواحد من غابات المانجروف يخزن ما يعادل نحو 3754 طناً من ثاني أكسيد الكربون (في الأشجار والتربة)، مما يجعلها أداة فعالة في مكافحة التغير المناخي وفتح آفاق أسواق الكربون الأزرق . كما تعمل كحواجز طبيعية تحمي الشواطئ من التآكل وتخفف حدة الأمواج والعواصف بنسبة تصل إلى 66%، وتوفر موائل وحاضنات لتكاثر الأسماك والروبيان والقشريات، حيث تؤوي نحو 80% من الأسماك ذات الأهمية الاقتصادية في قطر.

وتدعم الدراسات العلمية هذه القيمة. ففي دراسة نُشرت في دوريات علمية دولية (مثل ScienceDirect)، قُدّر مخزون الكربون في مواقع الخور والذخيرة بنحو 185 ألف طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون حالياً، مع معدل احتجاز سنوي يقارب 998 طناً، وتوسع المساحة بنسبة تزيد على 21% بين 2014 وحتى الآن بفضل جهود الاستزراع. وأظهرت أبحاث أخرى (بما في ذلك مراجعة علمية حديثة تعتمد على تقارير وزارة البلدية والبيئة سابقاً) أن مخزون الكربون يصل إلى حوالي 45.7 طن كربون للهكتار.

أما على صعيد الثروة السمكية، فتشير دراسة علمية نُشرت حول الإدارة القائمة على النظم الإيكولوجية في سواحل قطر إلى أن النظم الساحلية المترابطة (بما فيها المانجروف والمروج البحرية والشعاب المرجانية) تدعم نحو 97% من القيمة الاقتصادية للصيد التجاري السنوي، الذي تجاوز أكثر من 67 مليون دولار أمريكي (نحو 249 مليون ريال) للأنواع الرئيسية العشرين حسب اخر السجلات. وتُعد المانجروف حضانات مهمة لأنواع مثل الروبيان المستوطن وبعض الأسماك التجارية، مما يجعل تدهورها مخاطرة اقتصادية واجتماعية كبيرة.

آفاق الاقتصاد الأزرق

دولياً، أبرزت دراسة حديثة لجامعة كاليفورنيا سانتا كروز بالتعاون مع البنك الدولي أن خدمات الحماية من الفيضانات التي توفرها المانجروف عالمياً تقدر بنحو 855 مليار دولار (قيمة حالية على مدى 100 عام)، مؤكدة دورها كرأسمال طبيعي يدعم الثروات الوطنية ويحمي الأرواح والبنية التحتية. وتنطبق المبادئ نفسها على قطر رغم اختلاف الظروف المناخية، حيث تسهم هذه الغابات في تعزيز المرونة الساحلية بتكلفة منخفضة مقارنة بالحلول الهندسية.

من جانبه، أكد خبراء مركز حماة الطبيعة، وهو مبادرة وطنية مستقلة تركز على البحث والتطوير والاستشارات البيئية والاستدامة، على أهمية هذه النظم ضمن الاقتصاد الأزرق. وفي محاضرة عن آفاق الاقتصاد الأزرق، أبرز مدير المركز الدكتور خليل السعيد دور الموائل الطبيعية البحرية في دعم السياحة والنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، مشيراً إلى اهتمام قطر بهذا القطاع محلياً ودولياً من خلال التشريعات وتشجيع القطاع الخاص في مجالات السياحة والنقل والإنتاج الغذائي، مع مواجهة تهديدات التغير المناخي.

أما رئيس مجلس إدارة المركز الدكتور سيف علي الحجري، فيؤكد في تصريحاته العامة على ضرورة البحث عن سبل رشيدة للحفاظ على الموارد الطبيعية واستغلالها المستدام، وتقديم حلول مبتكرة تضمن استدامتها للأجيال القادمة، بما يتوافق مع جهود حماية المانجروف كجزء من تعزيز الوعي البيئي والتنمية الخضراء.

ودعا دكتور الحجري إلى حماية هذه الأشجار وتجنب إتلافها أو رمي المخلفات في مناطقها، لدعم الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي والاقتصاد المستدام. ومع استمرار برامج الاستزراع والترميم، تمثل غابات المانجروف استثماراً طبيعياً طويل الأمد يعزز مكانة قطر كنموذج إقليمي في حماية البيئة وتحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على الموارد.

ومن جانبه أكد السيد خالد جمعة المهندي مدير إدارة تنمية الحياة الفطرية بوزارة البيئة والتغير المناخي أن حماية غابات القرم لا يقتصر على زيادة مساحاتها، بل يعتمد على إدارة متكاملة لمناطق انتشارها تبدأ بدراسة ملاءمة المواقع من حيث حركة المد والجزر وطبيعة التربة ودرجة الملوحة وصولًا إلى متابعة نمو الشتلات ورصد حالتها بعد الاستزراع.

وأوضح أن نجاح برامج الاستزراع لا يقاس بعدد الشتلات المزروعة فحسب وإنما بقدرتها على النمو الطبيعي ودعم الموائل البحرية، مشيرًا إلى أن جهود الوزارة تجمع بين حماية المواقع القائمة، وتشجيع التجدد الطبيعي للأشجار، والتوسع المدروس في زراعتها دون الإخلال بالتوازن البيئي للمناطق الساحلية.

استثمارات ضخمة

وأظهرت تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وتحالف المانجروف العالمي أن المساحة العالمية لغابات المانجروف بلغت نحو 14.8 مليون هكتار (حوالي 147 ألف إلى 148 ألف كيلومتر مربع)، موزعة على سواحل 123 إلى 128 دولة. وتستحوذ آسيا وجنوب شرق آسيا على الحصة الأكبر بنحو 33 إلى 44%، فيما تحتل إندونيسيا وحدها حوالي 21% من الإجمالي العالمي. وتمثل هذه الغابات أقل من 1% من الغابات الاستوائية وأقل من 0.4% من إجمالي الغابات حول العالم.

ووفق التقارير الأممية تُعد المانجروف من أكثر النظم فعالية في تخزين الكربون الأزرق، حيث يخزن الهكتار الواحد ما يعادل نحو 3754 طناً من ثاني أكسيد الكربون، ويقدر المخزون العالمي بمليارات الأطنان (حوالي 21 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في بعض التقديرات). كما تدعم أكثر من 5700 نوع، بما في ذلك أكثر من 341 نوعاً بحرياً مهدداً، وتحمي نحو 15 مليون شخص من الفيضانات والعواصف، وتساهم في إنتاج كميات هائلة من الأسماك والروبيان.

ومع ذلك، فإن 50% من مقاطعات المانجروف العالمية معرضة لخطر الانهيار بحلول 2050، بينما تقع 40 إلى 42% فقط منها ضمن مناطق محمية رسمياً.على الصعيد الدولي، تتصدر جهود الأمم المتحدة المشهد من خلال اليوم الدولي الذي أعلنته اليونسكو عام 2015، وعقد الأمم المتحدة لاستعادة النظم الإيكولوجية (2021-2030)، ومبادرة مانجروف بريوثرو التي تهدف إلى حماية أو استعادة 15 مليون هكتار بحلول 2030 مدعومة باستثمارات تصل إلى 4 مليارات دولار، بدعم من نحو 50 حكومة.

وتشير تقارير الفاو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى تباطؤ ملحوظ في معدلات الفقدان بفضل هذه المبادرات والرصد العلمي. وتؤكد دراسات قطرية ودولية أهميتها الاقتصادية، إذ تدعم النظم الساحلية المرتبطة بها نحو 97% من قيمة الصيد التجاري السنوي الذي تجاوز 67 مليون دولار في بيانات سابقة، وتؤوي حوالي 80% من الأسماك ذات الأهمية الاقتصادية. وأكد خبراء مركز حماة الطبيعة، وفي مقدمتهم الدكتور خليل السعيد، على أهمية هذه النظم ضمن الاقتصاد الأزرق والاستدامة البيئية، داعين إلى تعزيز البحث والحماية والاستغلال الرشيد للموارد الطبيعية بما يتوافق مع رؤية قطر الوطنية 2030.

وتواصل الجهات المعنية جهود الاستزراع والحماية محلياً وعالمياً، مؤكدة أن الحفاظ على أشجار القرم يمثل استثماراً طويل الأمد في الأمن الغذائي والمناخي والاقتصادي للأجيال القادمة.