يعد التمويل والتسهيل الائتماني من أبرز ركائز النمو في القطاع المصرفي، حيث يساهم في دعم قطاع الأعمال، سواء في القطاع العام أو الخاص، كما أنه يعتبر أحد المنافذ التي يلجأ إليها الأفراد لإتمام حاجاتهم المالية المتنوعة. ويقدر حجم الديون المقدمة في شكل تمويلات عالمية بـ 250 تريليون دولار، بما يعادل 848.12 تريليون ريال، وهي تمويلات متنوعة بين ديون تم منحها للدول في العالم، أو على مستوى الأفراد أو الأسر بشكل عام.
ويشار في هذا الإطار إلى أن الديون أو التمويلات العالمية توزعت بشكل رئيسي إلى ديون الشركات غير المالية بنحو 68 تريليون دولار، ولدى الحكومات في جميع أنحاء العالم ديون تقدر قيمتها بـ 63 تريليون دولار، والمؤسسات المالية لديها ديون بـ 58 تريليون دولار، بينما تصل ديون الأسر إلى 44 تريليون دولار.
وتكشف الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات الدولية أن حجم التمويلات تضاعف إلى أكثر من ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد العالمي، منذ العام 2016، وحتى اليوم، حيث تشير المؤسسات المختصة في مجال التمويل وفي مقدمتها معهد التمويل الدولي إلى أن الديون أو التمويلات العالمية تجاوزت إجمالي النمو المحلي لأفضل 100 اقتصاد دولي، تأتي الولايات المتحدة في أعلى الترتيب، تليها المملكة المتحدة بمبلغ يصل إلى نحو 7.9 تريليون دولار، ثم فرنسا بتمويلات تصل إلى 5.4 تريليون دولار، وألمانيا بقيمة 5.1 تريليون دولار، واعتبر معهد التمويل الدولي في آخر تقاريره أنه إذا ارتفعت أسعار الفائدة حول العالم، فإن ذلك قد يجعل أعباء خدمة تلك التمويلات ترتفع بمستويات مختلفة من دولة إلى أخرى.
ومع طرح موضوع التمويلات، فإن هناك العديد من النقاط الرئيسية التي تطرح معه، أولها جودة التمويل وقدرة العميل على الإيفاء بذلك التمويل أو التسهيل الائتماني، سواء كان هذا العميل مؤسسة أو فردا أو حكومة، إلى جانب مدى كفاءة خدمة التمويل أو التسهيل الائتماني بأشكاله المختلفة، إضافة إلى قدرة البنوك أو البنك صاحب التمويل أو التسهيل الائتماني على تغطية أي تعرضات للمخاطر في هذا الإطار من خلال تخصيص محفظة مالية متميزة تكون مرجحة بأوزان المخاطر على تلك التمويلات، سواء على المدى المتوسط أو البعيد للتمويل وهو أمر يرتبط بشكل مباشر وأساسي بكفاية رأس المال للبنك أو المصرف أو شركة التمويل أو الجهة المصدرة لذلك التمويل، حيث تقوم هذه الجهة بوضع هامش المخاطرة على التمويل منذ اللحظة الأولى لحصول العميل على الموافقة الرسمية على تمويله.
ويرى خبراء أن الفترة الماضية شهدت الكثير من التحديات في مجال التمويلات المقدمة لعملاء من الأفراد أو الشركات أو الحكومات وغيرهم من العملاء، حيث يربط الخبراء تلك التحديات بتأثر السيولة في الأجهزة المصرفية العالمية نتيجة تراجع أسعار النفط عالميا إلى مستويات متدنية بلغت في العامين الماضيين نحو 27 دولارا للبرميل الواحد، إلى جانب أحد العوامل المهمة وهي سياسة التيسير الكمي التي انتهجتها العديد من الدول إثر الأزمة المالية العالمية.
وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتمدت سياسة فائدة صفرية بهدف تحفيز الاقتصاد الأمريكي ومساعدته على الخروج من فترة الركود نتيجة لأزمة الرهون العقارية التي أودت بالقطاع المصرفي الأمريكي، قبل أن تعود أمريكا في السنوات الأخيرة إلى رفع أسعار الفائدة بعد التعافي الملموس للاقتصاد الأمريكي، وإضافة إلى تلك المتغيرات التي أثرت على مستويات السيولة ومنها التمويلات، انخفاضا وارتفاعا، نجد المتغيرات الجيوسياسية سواء في منطقة شرق آسيا أو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل رئيسي. ويعتبر الخبراء أن تلك المؤثرات والمتغيرات ساهمت بشكل كبير في تحفيز مستويات التمويل في العديد من الدول خاصة بعد أن استغلت في ذلك أسعار الفائدة الصفرية والتي تصل إلى مستويات سالبة في دول أخرى على غرار اليابان التي تنتهج مستويات سالبة على أسعار الفائدة عند حصول العميل على تمويل بنكي أو مصرفي. وساهم النمو الاقتصادي المسجل في منطقة الخليج العربي في تحفيز التمويل، سواء كان ذلك بالنسبة للعملاء من الشركات والمؤسسات الاقتصادية أو الحكومات أو حتى الأفراد والأسر ذات الدخل المرتفع.

68.1 مليــار ريـال لقطـاع التجــارة
توزعت التسهيلات الائتمانية الخاصة بشهر فبراير الماضي على نحو 359.02 مليار ريال في شكل ائتمان ممنوح للقطاع العام ونحو 68.1 مليار ريال تسهيلات ائتمانية مقدمة لقطاع التجارة العامة، أما قطاع الصناعة فقد حاز على 16.3 مليار ريال في شكل تسهيلات ائتمانية، وقطاع المقاولين حظي بتسهيلات ائتمانية تقدر بنحو 38.5 مليار ريال. واستأثر قطاع العقارات بالنصيب الأوفر من التسهيلات الائتمانية، حيث قدرت التمويلات والتسهيلات الممنوحة لهذا القطاع بنحو 149.6 مليار ريال في نهاية فبراير من العام الجاري، يليه قطاع الاستهلاك الذي جمع تسهيلات ائتمانية بقيمة تصل إلى نحو 124.2 مليار ريال في نهاية نفس الفترة، في حين بلغت التسهيلات الائتمانية التي حظي بها قطاع الخدمات 77.4 مليار ريال وبلغ باقي التسهيلات الائتمانية المقدمة لمختلف القطاعات الأخرى 9.2 مليار ريال.
أما على مستوى حجم التسهيلات والتمويلات حسب نوعية البنوك، فإن مجموع التسهيلات التي منحتها البنوك التقليدية بلغ 661.5 مليار ريال من إجمالي البنوك القطرية والمقدرة قيمتها بنحو 920.09 مليار ريال، وتوزعت التسهيلات التي قدمتها البنوك التقليدية إلى 290.4 مليار ريال تمويلات للقطاع العام و42.1 مليار ريال لقطاع التجارة ونحو 24 مليار ريال تسهيلات لقطاع المقاولين و93.6 مليار ريال تسهيلات عقارية، و67.9 مليار ريال تسهيلات ائتمانية لقطاع الاستهلاك، وقدرت التسهيلات الائتمانية لقطاع الخدمات بنحو 58.09 مليار ريال وحظيت القطاعات الأخرى بنحو 4.5 مليار ريال من التسهيلات الائتمانية، في حين قدمت البنوك التقليدية تسهيلات خارج قطر بنحو 70.1 مليار ريال.
بلغت التمويلات التي قدمتها البنوك والمصارف الإسلامية نحو 253.08 مليار ريال بنهاية شهر فبراير من العام الجاري، حيث بلغت التمويلات المقدمة للقطاع العام من البنوك الإسلامية 66.7 مليار ريال في نهاية شهر فبراير الماضي، في المقابل بلغت التمويلات الممنوحة لقطاع التجارة نحو 19.3 مليار ريال. أما قطاع الصناعة الذي يعتبر أحد أهم القطاعات الحيوية في الدولة فقد بلغ نحو 5.4 مليار ريال. ومن جهة ثانية فقد حظي قطاع المقاولين بتمويلات إسلامية تقدر بنحو 12.3 مليار ريال، في حين قدرت تمويلات القطاع العقاري من قبل البنوك الإسلامية بنحو 54.9 مليار ريال، أما تمويلات القطاع الاستهلاكي فقد بلغت نحو 53.5 مليار ريال وقطاع الخدمات نحو 16.8 مليار ريال والقطاعات الأخرى 4.2 مليار ريال، في حين قدر التمويل خارج قطر بنحو 19.6 مليار ريال في نهاية فبراير الماضي.
وبلغ مجموع التمويلات والتسهيلات التي منحتها البنوك غير القطرية خلال شهر فبراير الماضي نحو 17.9 مليار ريال وذلك وفقا للبيانات التي أصدرها مصرف قطر المركزي مؤخرا والتي أشارت ضمنيا إلى أن تسهيلات البنوك العربية غير القطرية قد تجاوزت سقف 8.2 مليار ريال، في حين بلغت التسهيلات التي قدمتها البنوك غير القطرية وغير العربية أكثر من نحو 9.6 مليار ريال.
ومع توسع المشاريع التي تنفذها الدولة إما في إطار استضافة مونديال 2022، أو المشاريع التي تتماشى مع رؤية الدولة 2030 إلى جانب العمل على تطوير وتنويع الاقتصاد الوطني للدولة، فقد وضعت الدولة خططا إستراتيجية متنوعة لتحقيق تلك الأهداف التي تسمو إليها، ومنها الخطط الإستراتيجية المالية، حيث انطلقت الدولة في تطبيق الإستراتيجية الثانية للقطاع المالي والتي من ضمن أهدافها التحول بالاقتصاد من نظام قائم على التمويل المصرفي إلى نظام التمويل غير المصرفي، حيث يؤدي تطوير الأسواق المالية إلى خلق المزيد من الفرص للاقتراض والاستثمار ويساعد في تحويل الاقتصاد من نظام قائم على التمويل المصرفي إلى نظام التمويل غير المصرفي، بما يساهم في تفعيل سياسة تنويع الاقتصاد وتحقيق أكبر قدر من النمو، حيث إن الاستفادة من التكنولوجيا المالية قد أصبحت أمراً ضرورياً في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه أمن المعلومات على مستوى العالم، وبالتالي الاستفادة من نقاط القوة المالية والعمل على تحسين شبكة المعلومات الائتمانية واتخاذ كافة الاحتياطات للحفاظ على أمن وسلامة المعلومات في القطاع المالي.
توسعات في المشاريع وكثافة في الإنفاق
قال أحمد ماهر الخبير المالي والمستشار لدى شركة نماء للاستشارات لـ لوسيل إن الدولة تشهد توسعا في المشاريع سواء تلك المشاريع التي ينفذها القطاع العام أو القطاع الخاص، وهي مشاريع تتعلق أساسا بالبنية التحتية، وبالتالي فإن الإنفاق على تلك المشاريع عالي الكثافة والقطاع الحكومي شريك رئيسي، حيث يقوم بالتمويل لتلك المشروعات إضافة للبنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة، وبالتالي فإن تلك التمويلات مضمونة السداد من قبل الدولة. وأوضح أحمد ماهر أن تلك المشاريع يصاحبها ارتفاع في معدلات النمو الاقتصادي وزيادة في عدد السكان وبالتالي توسع المشاريع الاستهلاكية وهو ما يحفز البنوك لتقديم التسهيلات المالية للأفراد والشركات، من خلال استغلال النقد الموجود في السوق المحلية، مشددا على ما يتمتع به القطاع المصرفي من وفرة مالية في حجم الودائع التي يتم ضخها بشكل مستمر وخاصة الودائع الحكومية التي شهدت انتعاشا ملحوظا مع تحسن أسعار النفط خلال الفترة الماضية.
أما رجل الأعمال والمستثمر في البورصة القطرية يوسف أبو حليقة فقال إن القطاع المصرفي هو رافد من روافد التنمية في الدولة ومساهم بشكل بارز في الطفرة الاقتصادية التي تعيشها الدولة، حيث قام الجهاز المصرفي في دولة قطر منذ إنشائه بتوفير الدعم اللازم والمناسب لتنفيذ المشاريع التي تعمل على تنفيذها الجهات الحكومية من جهة أو الشركات والمؤسسات التابعة للقطاع الخاص من جهة أخرى، مشددا على أن التمويلات التي قام بتقديمها الجهاز المصرفي للدولة خلال الفترة الماضية ساهمت في تحفيز رجال الأعمال على توسيع استثماراتهم في مختلف القطاعات وخوض غمار العديد من التجارب الاقتصادية المتميزة، موضحا أن الفترة الماضية وعلى الرغم من تراجع أسعار النفط على المستوى الدولي فإن الدولة واصلت تقديم التمويلات والتسهيلات الائتمانية، وتابع قائلا: والآن في ظل عودة أسعار النفط إلى التعافي والصعود نحو مستويات عالية إلى جانب مناخ الثقة التي يتمتع بها الاقتصاد القطري فإنه من المنتظر أن تقوم البنوك والمصارف الإسلامية بالتوسع في تقديم التمويلات لتنفيذ تلك المشاريع التي ترتبط بشكل مباشر باستضافة دولة قطر لكأس العالم 2022، أو بالمشاريع التي تتعلق برؤية الدولة 2030 والمشاريع التي تتعلق بالقطاع الصناعي والعقاري إلى جانب العمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي . إلى ذلك فقد نوه إلى القرارات التي وضعها مصرف قطر المركزي فيما يتعلق بالحصول على تمويلات وتسهيلات ائتمانية أو الرقابة على المخاطر المتعلقة بها.
932.5 مليار ريال تسهيلات ائتمانية
شهدت التمويلات والتسهيلات الائتمانية التي تقدمها البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في قطر خلال السنوات الماضية نموا مطردا، حيث سجلت طيلة الأربع سنوات الماضية نموا مركبا يساوي 9.21%، ونسبة نمو عادي منذ شهر فبراير 2015 وحتى فبراير الماضي 42.27%.
وقفزت التسهيلات الائتمانية من نحو 655.4 مليار ريال في نهاية فبراير من العام 2015 إلى نحو 770.5 مليار ريال بنهاية فبراير 2016، ثم إلى مستوى 868.047 مليار ريال بنهاية فبراير 2017، لتصل إلى مستوى 932.5 مليار ريال بنهاية شهر فبراير 2018. كما شكلت التسهيلات الائتمانية المسجلة في شهر فبراير الماضي نحو 67.62% من إجمالي الموجودات والمطلوبات الخاصة بالبنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة، في حين قدِّر إجمالي التسهيلات الائتمانية المحلية فقط بنحو 842.6 مليار ريال في نهاية فبراير الماضي بما تمثل نسبته نحو 90.35% في حين تقدر قيمة التسهيلات خارج دولة قطر بنحو 89.9 مليار ريال بما تمثل نسبته 9.65% من إجمالي التسهيلات الائتمانية المقدمة في شهر فبراير الماضي.