كتاب يسلط الضوء على أهميتها في التعرف على الأوضاع المضطربة

المتغيرات العالمية المدخل الحقيقى للسياسات الاقتصادية الناجحة

لوسيل

ترجمة: ياسين محمد

تأليف: بيبا مالمجرين
يتعرض الاقتصاد الدولي لمتغيرات عديدة تلقى بالتبعية بآثارها على السياسات الاقتصادية المختلفة سواء كانت تلك السياسات متعلقة بالاقتصاد المحلي أو الاقتصاد العالمي.
وتأخذ ملامح تلك المتغيرات أشكالا مختلفة وتتولد عنها ظواهر اقتصادية مختلفة تدل جميعها على أن أزمة ما أو أزمات تواجه الاقتصادات المختلفة وهو ما يتطلب من الدول وصانعي السياسات الاقتصادية اتخاذ الإجراءات الكفيلة لمواجهتها بما لا يخل بالمبادئ الاقتصادية المرتبطة بالمواطنين.
وحول تلك الدلائل أو العلامات كما يطلق عليها البعض حاولت المؤلفة بيبا مالمجرين تسليط الضوء عليها من خلال كتاب يحمل عنوان كيف تساعدنا العلامات اليومية على استكشاف الاقتصاد العالمي المضطرب؟
الكتاب يلقي الضوء على أهمية اليقظة للعلامات العديدة التي نشاهدها حولنا والتي يمكن أن تساعدنا على مواجهة المشكلات المتغيرة وكذا الفوائد المتنوعة التي يجلبها لنا الاقتصاد العالمي.
وتقول مالمجرين في هذا الكتاب أن علم الاقتصاد لا يتمحور حول الرياضيات والبيانات، مشيرة إلى أن العطور والماكياج تعد أيضا جزءا من الاقتصاد العالمي.
وتشير مالمجرين إلى أن العلامات اليومية تفسر السبب الذي يدفع الحكومة إلى القول بأننا نواجه انكماشا، ومع ذلك يشعر الجميع بأن تكاليف المعيشة في ازدياد ومستويات المعيشة في انخفاض .
وتلفت المؤلفة إلى أن أسعار البروتينات المرتفعة لا يشعر بها المرء أثناء قيامه بأنشطة التسوق الأسبوعية، ولكن يشعر بها قادة الأسواق الناشئة المضطرين إلى تدبير الأطعمة وأصول الطاقة اللازمة لتوفير الغذاء لشعوبهم.
البنوك المركزية
وتبرز مالمجرين الكيفية التي تتأثر بها حياتنا اليومية بالمعركة الدائرة التي خلقتها البنوك المركزية، بين التضخم والانكماش، لافتة إلى أن تداعيات تلك المعركة تتجلى بوضوح في ظهور التصويت المناهض للنظام الحاكم في هذه الدولة أو تلك وعودة الوظائف ذات الصلة بالمهارات التصنيعية في الغرب وأيضا في الضغوط الناجمة عن زيادة معدلات تدفق الهجرة.
ويذكر الكتاب أن القوى الاقتصادية تكسر العقد الاقتصادي بين المواطنين ودولهم، مؤكدًا على أنه إذا كان الحل الحقيقي الوحيد هو الإبداع، يصبح السؤال الأساسي يتمحور حول ما إذا كانت الحكومات مؤيدة أو رافضة للجهود المبذولة الساعية إلى بناء الاقتصاد في المستقبل.
وتوضح مؤلفة الكتاب من بالتحديد الذي يبني المستقبل وكيف يمكن أن نكون جزءا منه وتظهر العلامات التي ساقتها مالمجرين أنه ورغم أننا لا نستطيع إطلاق التنبؤات حول مستقبل الاقتصاد العالمي، فإنه بمقدورنا أن نجهز أنفسنا لهذه المسألة فبعيدا كل البعد عن كونه مصدر القلق الوحيد بالنسبة لحفنة قليلة من الأشخاص المتخصصين، تذهب مالمجرين إلى أن علم الاقتصاد يمثل قضية ساخنة تمس كافة جوانب حياتنا اليومية.
العلامات اليومية
ثم تنتقل المؤلفة إلى سرد أمثلة عديدة على العلامات اليومية التي يمكن أن يسترشد بها المرء في ملاحظة الانكماش الاقتصادي. وذكرت أن تلك العلامات موجودة في كل مكان، ومن أمثلتها ما لاحظته على الغلاف الخارجي لمجلة فوج البريطانية في شهر يونيو من العام 2009.
وأوضحت مالمجرين أنه من السهل بالفعل أن يحدق الإنسان النظر في ناتاليا فوديانوفا، إحدى عارضات الأزياء الشهيرات في العالم، وهي تعرض الموديلات المختلفة من الملابس الحريمي. وتمضي المؤلفة قائلة: لكنني سألفت نفسي وأنا أنظر إلى عارضة الأزياء تلك على غلاف المجلة: ما الخطأ في هذه الصورة؟ فواحدة من أشهر مجلات الموضة في العالم بها غلاف لا يتضمن أي مظهر من مظاهر الموضة، إذ أنه لم يكن يعرض أي ملابس عليه على الإطلاق، ولكن كل ما كان يظهر على هذا الغلاف هو أم لثلاثة أطفال والتي وإن كانت تتمتع برشاقة الجسد، فإنها لم تكن تصلح لأن تتصدر أغلفة وعناوين المجلات طيلة سنوات عديدة فلقد كان هذا الغلاف علامة مهمة جدا.
صناعة الموضة
وتقول مالمجرين إن تلك العلامة كانت تشير إلى حقيقة بسيطة مؤداها أن صناعة الموضة قد فقدت قاعدة عملائها القدامى. وما إن وقعت الأزمة المالية العالمية، حتى أصبحت صناعة الموضة على علم ودراية بأنها لم يكن لديها أي فكرة حول من سيكون عميلها الجديد المحتمل. من كان يمتلك المال لإنفاقه على الموضة؟ وربما يكون هذا العميل الآن سيدة كبيرة السن أو حتى أما. وباختصار، فإن صناعة الموضة بأكملها قد شهدت تحولا دراماتيكيا، حيث عادت إلى نقطة الصفر الذي بدأت منه.
رجعت تلك الصناعة إلى الشكل الآدمي بصورته الأولى التي تخلو من أي ملابس وشرعت في تصميم أزياء لعميل يمكن أن يكون أي شخص، بدءًا من عارضة أزياء شابة جميلة إلى أم لثلاثة أطفال.
وتضيف مالمجرين: بعد مرور سنوات على تلك الواقعة وتحديدا في العام 2012، تحدثت مع رئيسة قسم الموضة في مجلة (فوج) وتُدعى لوسيندا تشامبرز. وكان شعوري حينها أنها لم تفكر هي أو أي من أعضاء فريق العمل الخاص بها بتلك الطريقة وهي أن صورة عارضة الأزياء على غلاف المجلة تعكس علامة معينة .
الأزمة المالية
وأردفت مؤلفة كتاب كيف تساعدنا العلامات اليومية على استكشاف الاقتصاد العالمي المضطرب؟ بأن الفنانين والمبدعين يشعرون في الغالب بروح العصر دون أن يدركوا أنهم يقومون بذلك، وهو ما يُعد سببا في أنه ينبغي علينا الانتباه لهم دون الاعتماد وبقوة على آراء الخبراء المصرفيين والخبراء الماليين الذين يهيمنون على الأخبار الصحفية المتعلقة بعالم البزنس فقط.
وزادت مالمجرين: غلاف مجلة (فوج) الذي تظهر فيه عارضة الأزياء في وضع عاري يعكس بعض التغيير أو حتى الشعور بعدم اليقين.
وبحلول العام 2013، وعندما تطورت الأزمة المالية العالمية إلى شيء أكثر عمقا واقتصادات عالمية متباطئة وإجبار الدول على إعادة تصميم نماذج الأعمال الخاصة بها، كانت ثمة علامة تنشـأ من عالم الموضة: طول الجونلة. فيقول البعض إن طول الجونلة يقصر في الأوقات الجيدة، ويطول في الأوقات الصعبة. وفي العادة، يعرف الجميع على وجه التحديد التوقيت الذي تكون فيه الجونلة طويلة أو قصيرة.
ويؤكد الكتاب أن صناعة الموضة يمكن أن ترسل علامات تعكس الأوضاع الاقتصادية.
متاجر التجزئة
ثم تعطي المؤلفة مثالا آخر على العلامات الاقتصادية عبر متاجر التجزئة التي تقول إن لديها وصولا كبيرا جدا إلى القروض البنكية الرخيصة وكذا أسواق الأسهم العامة الطرح العام المبدئي على الأسهم ، إلى الدرجة التي فقدت معها متاجر التجزئة المهارات الخاصة بإدارة تدفقاتها النقدية. وتوضح مالمجرين أن المتاجر كانت تبيع الكثير من أسهمها، مما كان يجعلها عُرضة للأزمات في أوقات الانكماش الاقتصادي وتشير المؤلفة في هذا المقام إلى سلسلة متاجر زارا الإسبانية للملابس والتي بدأت تحقق نجاحات في الوقت الذي كانت تشهد فيها مثيلاتها من المتاجر الأخرى عثرات وأزمات مالية عصيبة. وأفادت المؤلفة أن النجاح الذي حققته زارا يعد علامة اقتصادية، متسائلة: ما الاختلاف في حالة زارا ؟
وتجيب مالمجرين على السؤال بقولها إن هذه السلسلة الإسبانية لم يكن لديها خطوط إنتاج قط في آسيا، وأن قرابة ثلاثة أرباع مخزونها الصناعي كان يصنع في أوروبا. وتشتري تلك الشركة الأنسجة من حول العالم وتعيدها إلى إسبانيا وتخزنها هناك في مستودعات خاصة لحماية تلك الأنسجة والألياف ريثما يحتاجها المصممون لدى السلسلة. وعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية، لم يكن لدى سلسلة الملابس الإسبانية الوقت أو الكلفة الخاصة بالشحن التي تستطيع من خلالهما التفوق على منافسيها في السوق.
جلب المخزون
وكانت الشركة تستطيع جلب مخزون إلى متاجرها ثلاث أو أربع مرات أسبوعيا بدلا من الانتظار كل ثلاثة أو أربعة شهور للحصول على شحنة من آسيا مثل الشركات المنافسة.
لم يكتف أمانسيو أورتيجا، مؤسس زارا بنجاح تلك العلامة التجارية وفي العام 1985 أسس مع زوجته روزاليا مجموعة إندتيكس لتصبح العلامة التجارية الأم وتندرج تحتها جميع العلامات الأخرى.. وهو ما بدأ فيه مباشرة فنشأت تحت هذه المظلة العلامات التجارية التالية: ماسيمو ديوتى ، بول أن بير لتناسب جميع أذواق المجتمع. وفي عام 1989 كان موعده مع المتجر رقم 100 لمنتجاته ، إن نجاح زارا ، قياسا بالفشل من جانب الكثير من الشركات المنافسة، يعكس تغيرا كبيرا في الاقتصاد العالمي.