تبدأ إمارة الفجيرة بنشر وإعلان أرقام مخزوناتها النفطية، ويأتي ذلك مبادرة لتعزيز الشفافية تتطلع من خلالها لتثبيت موقعها مركزًا رئيسيًا لتجارة النفط العالمية، وخطوة أولى في سعيها للحصول على أول مؤشر مرجعي بين دول المنطقة لأسعار المشتقات النفطية، مع الأخذ بعين الاعتبار ما وصلت إليه حاليا من كونها تستضيف أكبر كمية من السعة التخزينية لمشتقات النفط التجارية في المنطقة بأسرها.
وقد شهدت منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة تطورات ملحوظة في مجموعة من العناصر الرئيسية التي ينبغي توفرها من أجل تكوين وتأسيس مركز عالمي لتجارة وتداول النفط ومشتقاته، كما أن المنطقة أصبحت مركزًا رئيسيًا مفعمًا بالنشاطات اللوجستية مع توفر خطوط أنابيب نقل النفط ومجموعات حظائر التخزين الضخمة والموانئ العميقة القادرة على استقبال الناقلات العملاقة. وعلاوة على ذلك فقد توفرت القدرات المساعدة من طرف مراكز الخدمات المالية التي استوطنت المنطقة بالإضافة إلى أغلبية البنوك وشركات النفط العالمية والشركات متعددة الجنسيات وشركات النفط الوطنية وشركات المبادلات التجارية الكبرى في المواد الأولية. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن منطقة الخليج في خضم فورة من عمليات الإنشاءات الساعية لزيادة قدراتها الاستيعابية في مجال المصافي النفطية، حيث تمت زيادة السعة الإجمالية للمصافي بمقدار مليون برميل يوميا، خلال السنوات القليلة الماضية.
وعلق معالي المهندس سهيل المزروعي وزير الطاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة على هذه التطورات بقوله لقد أصبحت الفجيرة اليوم في قلب مسار انتقال الطاقة الجديد الذي يمتد باتجاه الغرب من قناة السويس ليصل إلى عمق القارة الآسيوية، وقد تجاوزت الفجيرة كونها مركزا لتخزين مشتقات النفط وإعادة التزود بالمواد اللوجستية لتصبح الآن مركزًا رئيسيًا هامًا في نشاطات تصدير النفط الخام كذلك ، ويضيف معالي الوزير المزرعي قائلا: وأرى أن هذه الخطوة -التي تتسم بالشفافية- سوف تلعب دورا رئيسيا نحو جهود الفجيرة للتطور من مركز رئيسي للنشاطات اللوجستية في المنطقة إلى مركز تبادل تجاري نشط ضمن أسواق الطاقة العالمية .
تحظى إمارة الفجيرة بموقع فريد، إذ إنها الوحيدة ضمن دولة الإمارات العربية المتحدة التي تطل على المحيط الهندي، وتحتوي على المرافق الخاصة بتصدير النفط مباشرة، وتعمل الفجيرة جاهدة وضمن خطوات متسارعة للحاق بمنافستها سنغافورة من حيث المساحات المتوفرة لمجمعات التخزين الخاصة والتي من المتوقع أن تصل في الفجيرة إلى 9 ملايين متر مكعب في العام الجاري وترتفع لتتجاوز 14 مليون متر مكعب بحلول عام 2020، فغالبية الشركات العاملة في نشاطات التخزين بالفجيرة تقوم بزيادة قدراتها الاستيعابية التخزينية، ومن ضمن شركة في تي تي آي VTTI التابعة لمجوعة فيتول. وتشمل نشاطات التوسعة الأخرى الجارية حاليا كلا من مشروع توسعة خزانات الفجيرة للنفط (إف أو تي) وشركة جلف بتروكيم، وكذلك تطوير الأراضي المخصصة لشركة كونكورد التي تعمل على بناء خزانات ذات سعة مليون متر مكعب من النفط الخام والمشتقات. ومن ناحية أخرى تتنوع مصادر النفط الخام المتوفر في مرافق التخزين في الفجيرة بحيث تشمل أصناف خام مربان وخام البصرة الخفيف وخام المسيلة من اليمن.
وأوضح الدكتور سالم عبده خليل المستشار في حكومة الفجيرة الخطوات التي تم اتخاذها على هذا الصعيد قائلا: إثر المشاورات التي أجريناها مع جميع الشركات العاملة في الفجيرة، فنحن سعداء بالتوصل لإجماع عام من كافة الأطراف على نشر وإعلان بيانات المخزونات النفطية أسبوعيا، مع الحفاظ على حماية سرية البيانات الفردية لكل من لشركات العاملة بالتخزين والتجارة، وذلك من خلال نشر الأرقام الإجمالية لأحجام المنتجات النفطية المتوفرة بالمحطة .
وتطمح الفجيرة من خلال مبادرتها بنشر أرقام المخزونات أسبوعيا بمحاكاة المعايير التي تتبعها الجهات المشغلة لأكبر محطات ومراكز تجارة الطاقة عالميا في كل من روتردام في هولندا وسنغافورة، وتشمل البيانات الشرح التفصيلي من حيث توزعها إلى فئات زيت الوقود والمشتقات الثقيلة والمشتقات المتوسطة والمشتقات الخفيفة، وترى الفجيرة أن هذه المبادرة تتسق مع رؤية 2021 التي وضعتها حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة في تبني ممارسات سياسة البيانات الحكومية المفتوحة والمتاحة لاطلاع العموم.
ومن جانبه يرى ديف إينسبرجر رئيس قسم المحتوى النفطي في شركة ستاندرد آند بورز جلوبال بلاتس أن الشفافية التي يتيحها توفر البيانات ونشرها بشكل دوري ومنتظم يعتبر جانبا بالغ الأهمية من أجل نجاح نشاطات التبادل التجاري في المراكز المختصة بتجارة السوائل عبر العالم ، ويضيف السيد إينسبرجر قائلا: إن نشر المعلومات يرفع الغموض والضبابية من السوق، ويمكّن كلا من المتاجرين والمستثمرين من رؤية الفرص، وكذلك المخاطر بشكل أوضح، وبالتالي تطوير استراتيجيات التبادل التجاري لتكون أكثر ترابطا .
وتجدر الإشارة إلى أن أهمية الفجيرة كمركز واعد في أسواق الطاقة العالمية ضمن مسار الطاقة الجديد باتجاه جنوب- جنوب وإلى الغرب من قناة السويس، قد تعززت هذا الأسبوع من خلال افتتاح رصيف التصدير لناقلات النفط الخام الكبيرة جدا VLCC مباشرة على المحيط الهندي، يُضاف إلى ذلك ما أعلنته مؤسسة بلاتس من إطلاق تسعير جديد ومستقل لمجال من مشتقات النفط لأسواق الشرق الأوسط على أساس السعر تحميل ميناء الفجيرة وذلك اعتبارا من 3 أكتوبر القادم.
ومن جانب آخر تتزايد الرغبة في رؤية حدوث تطور في أسواق النفط في منطقة الخليج، إذ إن الطلب على نشاطات التسويق والتوزيع (داون ستريم) فيها تشهد أقوى معدلات النمو مقارنة ببقية دول العالم، كما أن عمليات الإنشاءات لتعزيز قدرات المنطقة في قطاع مصافي النفط تبدو مرشحة للاستمرار، ومع زيادة تسارع وتيرة الطلب المرتفعة في المنطقة على كل من وقود الطيران والنافتا والديزل والبنزين وزيت الوقود، فـإن ذلك يدفع المطالبات باستحداث مرجع سعري لمنتجات المشتقات النفطية في الخليج، بدلا من الاستمرار في النموذج القائم حاليا الذي يستند إلى مؤشر الأسعار في سنغافورة.