انطلاقًا من تجربتها الشخصية، سلطت مها كافود، إحدى المشاركات في برنامج قطر بيوبنك، التابع لمؤسسة قطر، الضوء على أهمية معرفة الأشخاص بحيثيات ملفهم الجيني، لمساعدتهم على التنبؤ باحتمالية إصابتهم ببعض الأمراض، وهو ما يمنحهم الفرصة لتغيير أنماط حياتهم، درءًا لإصابتهم بأعراض صحية أو التعامل معها بشكل أفضل.
شاركت مها كافود، خريجة جامعة تكساس أي أند أم في قطر، إحدى الجامعات الدولية الشريكة لمؤسسة قطر، في مجال الهندسة الكيميائية، والتي تعمل حاليًا مهندسة عمليات في واحدة من كبرى شركات النفط العالمية، منذ نحو عشر سنوات في برنامج قطر بيوبنك القائم على جمع المعلومات الحيوية للأفراد، المتمثلة في بياناتهم الجينية، والمعلومات المتعلقة بأنماط حياتهم المختلفة من حيث الوسط العائلي، والنشاط البدني، والعينات، وتاريخ مرضهم السابق. لم تكن مها تعاني من أية أعراض صحية عندما أقدمت على إجراء الفحوصات؛ بل إن مشاركتها في البرنامج جاءت من باب الوازع التطوعي، لأنها أرادت بذاك الإسهام في إنشاء قاعدة بيانات قطر بيوبنك، التي تُعد حجر الأساس في إجراء البحوث المتعلقة بالرعاية الصحية الدقيقة في قطر والمنطقة.
في هذا الصدد، قالت مها: كانت إجاباتي على الاستبيان الصحي المتعلق بنظامي الغذائي ومستوى لياقتي البدنية بمثابة وقفة مع الذات، وكأني أطّلع على الأخطاء في نمط الحياة الذي كنت أتبعه. عندما حان موعد استلام التقرير، كانت تلك لحظة فارقة في حياتي. فقد أظهرت النتائج ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم لدي، مع أني كنت وقتها في العشرينات من عمري. كما أبانت النتائج عن نقص في نسب الفيتامينات الأساسية في الجسم. وسلطت نتائج الفحوصات الضوء كذلك على احتمالية إصابتي في المستقبل ببعض الأمراض الشائعة في تاريخ العائلة، مثل مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، والانزلاق الغضروفي .
ساعدت هذه التنبؤات مها على اتخاذ خطوات استباقية وفعّالة لمواجهة ارتفاع الكوليسترول وتقليص فرص إصابتها بأمراض أخرى، حيث أردفت قائلة: شرعت على وجه السرعة في تغيير نظامي الغذائي بهدف خفض نسبة الكوليسترول وتناول الأغذية الصحية الغنية بالفيتامينات. كما أصبحت الرياضة جزءًا أساسيًا من روتيني اليومي، إذْ حرصت على ممارسة تمارين المقاومة تحديدًا لما لها من فوائد ملموسة في تعزيز الكتلة العضلية في الجسم لتفادي إصابتي بعرض الانزلاق الغضروفي .
بعد خمس سنوات من إجراء الفحوصات الأولى، تلقت مها اتصالًا آخر للمتابعة، وقد تفاجأ فريق برنامج بيوبنك عند مقارنة نتائجها بتلك التي أجرتها قبل خمس سنوات، حيث لاحظوا تقدّمًا إيجابيًا بخصوص ملفها الحيوي، ذلك أن نسبة الكوليسترول في الدم انخفضت لتصل إلى مستواها الطبيعي، علاوة على زيادة الكتلة العضلية في الجسم بشكل كبير، وتوازن نسب الفيتامينات. وقالت في معرض رد فعلها بشأن هذه النتائج: لقد تغيرت حياتي بفضل الفحوصات التي أجريتها في بيوبنك، فهي التي حفزتني على تغيير نمط حياتي ولفتت انتباهي إلى أهمية اتباع نظام صحي في سن مبكر .
تؤمن مها بضرورة الفحص الطبي والسعي للحصول على ملف جيني، حتى يمكن التنبؤ باحتمالية إصابة الأشخاص بأمراض معينة، تبعًا للعوامل الوراثية والظروف البيئية المحيطة بهم. إن هذا الأمر لا يعني عدم الرضا بالقضاء والقدر، بل المقصود هو استثمار التقنيات العلمية في تحسين حياة الناس من خلال مساعدتهم على تفادي الإصابة بالأمراض عن طريق تبني أنماط حياة نشطة وصحية، بالإضافة إلى المتابعة الطبية الدورية للكشف عن أي تغيرات طارئة والتعامل معها أولًا بأول.
وأردفت مها قائلةً: أؤمن تمامًا بالقدر، وأعتقد أن السعي لمعرفة احتمالية الإصابة بمرض معين لن يستعجل أو يؤخر هذا القدر؛ لكن علم المرء بهذه الاحتمالية تمنحه الفرصة للقيام بالتغيير اللازم في نمط حياته. كما أن إجراء فحوصات بشكل مستمر قد يحد من هذه الاحتمالية .
من غير المستبعد أن ينفر بعض الناس من فكرة السعي للحصول على ملف جيني مخافة ربط سمعة العائلة بمرض معين، مع ما قد يترتب عليه من تبعات اجتماعية وتحديات نفسية. لكن مها تعتقد أن إجراء الفحوصات والتعرف على الأمراض الوراثية من شأنه تثقيف الأفراد ومنحهم فرصة لتفادي إصابة الأجيال المُستقبلية بهذه الأمراض. ومن هنا، شددت على أهمية إجراء فحوصات طبية للمقبلين على الزواج، وذلك لتجنب إصابة أولادهم بأمراض وراثية، من قبيل أنيميا البحر المتوسط، واضطرابات نقص المناعة.