تسبب تراجع سعر برميل النفط منذ يونيو الماضي من نحو 120 دولارا إلى ما دون 50 دولارا، في مراجعة سياسة الإنفاق على المستوى العالمي وخاصة من قبل الدول المنتجة للنفط في الخليج، حيث خفضت دول المنطقة من مستويات الإنفاق على المشاريع، فيما قامت دول أخرى بتأجيل بعض المشاريع إلى حين تعافي أسعار النفط وتحقيق عوائد مالية جديدة تضمن عودة الإنفاق إلى المستويات العادية.
وأكدت قطر منذ نهاية عام 2014، أن انخفاض أسعار النفط والغاز لن يؤثر على المشاريع الأساسية ولن يوقف تقدمها، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى أن انخفاض أسعار النفط سيدعو إلى المزيد من اليقظة والحذر والعمل الدءوب على تنويع مجالات الاقتصاد غير المعتمد كليا على النفط، إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار ترشيد الإنفاق الحكومي خلال الموازنة العامة للدولة.
وانطلقت الدولة منذ العام الماضي في التحضير للإستراتيجية الوطنية 2017-2022، والتي ستواجه التحديات التي فرضتها المتغيرات الحديثة بعد أن يتم الانتهاء من الإستراتيجية الوطنية 2011 -2016 والاستفادة من النجاحات التي تحققت عقبها.
قال عصام الدفراوي رئيس قطاع الخدمات المصرفية الخاصة بمصرف قطر الإسلامي لـ لوسيل : إن ترشيد الإنفاق أو الاستهلاك في دول الخليج يعتبر إيجابيا في ظل المتغيرات الحاصلة على مستوى الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن تصحيح الأسعار في الأسواق يعتبر مهما للدول وصحيا، خاصة بعد أن وصلت الأسعار إلى مستويات عالية قد تضر بالإنفاق.
وتابع قائلا: يجب أن نضع الأمور في سياقها، فترشيد الإنفاق يعتبر خطوة إيجابية لحماية الثروة، إضافة إلى أن تصحيح الأسواق يعود بالفائدة على المواطن والمقيم بالدرجة الأولى .
وأوضح الدفراوي، في سياق حديثه، أن المشاريع الأساسية التي تعمل عليها الدولة متواصلة بنسق جيد، وأن مستويات الإنفاق مستمرة بشكل متوازن ومدروس، خاصة في ظل السيولة المهمة التي تحصل عليها الدولة والبنوك المحلية والتي قال عنها إنها موجودة بالشكل المناسب والكافي لاستمرار الإنفاق على مختلف المشاريع التي تعمل عليها الدولة.
وأضاف: وضع السيولة جيد جدا وهي متوفرة منذ سنوات نتيجة الطفرة الاقتصادية والنفطية التي شهدها اقتصاد المنطقة وحسن إدارة الملف الاقتصادي في الدولة بما يوفر التنويع بعوائد مجزية .
دور حكومات دول الخليج
وبين الدفراوي الدور الريادي للحكومات في دول الخليج لدعم المناخ الاستثماري من خلال وضع التشريعات والقوانين المنظمة للأعمال والتي تعتبر رائدة مقارنة بالاقتصاديات الأخرى، مضيفا: الحكومات تدعم كبار المستثمرين، إضافة إلى أن العائلات التي تدير الأعمال الاستثمارية في دول الخليج قوية ومتحفظة تعرف اقتناص الفرص الاستثمارية وهو ما يعزز الاستقرار الاستثماري ويحفز ضخ الأموال في السوق وتحفيز نمو المشاريع في مختلف العقارات، كما أن دول المنطقة وخاصة قطر تتمتع بتصنيفات ائتمانية عالية الجودة تؤهلها للتوجه نحو الأسواق العالمية بفوائد منخفضة .
وأكدت وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني لقطر عند AA/A-1+ مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وأعلنت وكالة موديز مؤخرا تثبيت تصنيف قطر الائتماني السيادي، وهو ما يؤكد المتانة المالية التي تتمتع بها الدولة وقوة الاقتصاد القطري في مواجهة تقلبات النفط والغاز، إضافة إلى قدرة الدولة على مواصلة الإنفاق بالشكل المطلوب على المشاريع التي تعمل عليها، سواء في البنية التحتية المتعلقة باستضافة كأس العالم 2022 أو تماشيا مع تطوير البنية التحتية للدولة والرؤية الإستراتيجية للدولة 2030 والتي ترتكز على أربعة محاور أساسية، هي التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية والتنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.
السحب من الصناديق السيادية
إلى ذلك، أكد حسن المحضار، المدير التنفيذي لبنك كاك الإسلامي باليمن لـ لوسيل ، أن تراجع أسعار برميل النفط منذ العام الماضي بشكل حاد جعل الدول المنتجة للنفط والغاز تراجع سياستها تجاه الإنفاق العام، وخاصة بعض دول منطقة الخليج العربي، التي تعول بشكل كبير على المنتجات النفطية، كاشفا أن بعض الدول لجأت إلى السحب من صناديقها السيادية لتغطية عجز الموازنة، مشيدا بالسياسة المالية والاقتصادية لقطر التي نجحت زمن الطفرة في تنويع مصادر دخلها وعدم الاعتماد على الطاقة بشكل كلي في تمويل الموازنة.
وأوضح حسن المحضار، أن دول المنطقة أخذت في مراجعة الإنفاق وترشيده، للحد من تأثير انخفاض أسعار النفط على الموازنة العامة لأي دولة من دول مجلس التعاون، وتابع قائلا: الوطن العربي مدعو اليوم إلى عدم التعويل على الإنتاج النفطي، كما أنه مطالب بالتوجه نحو تنويع الاقتصاد وإيجاد موارد اقتصادية ثانية، إضافة إلى تحفيز القطاعات المنتجة والمصدرة كليا إلى دول آسيا وأوروبا خاصة ، مشيرا إلى أن دول الخليج العربي يمكن أن تنتج عدة مواد صالحة للتصدير تحقق القيمة المضافة، على غرار تعزيز الاستثمار في الصيد البحري من خلال إنشاء مصانع تحول المنتجات البحرية وتصدرها كليا نحو الأسواق الخارجية وتحديدا نحو أوروبا أو الزراعات التي تتماشى مع مناخ منطقة الخليج.
وبين لـ لوسيل أن مراجعة الترشيد في دول المنطقة مهمة وستدفع المسؤولين والاقتصاديين إلى البحث عن فرص استثمارية أوسع لتمويل المشاريع إضافة إلى تنويع الاقتصاد، دون التعويل بشكل كلي على العوائد المالية المحققة من أسعار النفط، وحث الدول على تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تسهم في تعزيز الاقتصاد وتوفير الوظائف المباشرة وغير المباشرة للشباب وغيرهم من طالبي الشغل.
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة
وتعمل عدد من الدول على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال تمويل المشاريع الرائدة والتي توفر قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ففي دولة قطر، يقدم بنك قطر للتنمية جملة من القروض لتمويل المشاريع والتي هي عبارة عن قروض طويلة الأمد تمنح للشركات المعنية بقطاعات التصنيع، التعليم، السياحة والرعاية الصحية، حيث تسمح هذه القروض بتمويل نحو 80% من التجهيزات الرئيسية الخاصة بالنشاط، أو حتى 60% من إجمالي تكاليف المشروع، أيهما أعلى.
ويشير بنك قطر للتنمية على موقعه الإلكتروني إلى أنه من الممكن تمويل حتى 80% من التجهيزات الرئيسية الخاصة بالنشاط، أو حتى 80% من إجمالي كلفة المشروع، بالنسبة إلى الحالات التي لا تستوفي شروط القرض أو لا تتناسب مع معايير التأهيل المعتمدة لتسهيلات الإقراض القائمة في بنك قطر للتنمية ضمن هذه القطاعات الثلاثة، بالإضافة إلى قروض المواد الخام التي هي عبارة عن قروض قصيرة الأمد تغطي حتى 100% من كلفة المواد الخام.
وأنها من التسهيلات الائتمانية التي تساهم في استمرارية عمليات الإنتاج، كما يمكن استخدامها كرأسمال عامل، لتغطية عمليات الجرد والذمم المدينة.
كما يقدم البنك جملة من البرامج على الضمين الذي يعمل على تغطية نسبة من المخاطر التي قد تتعرض لها الجهة الممولة البنوك في حالة إخفاق المشروع في سداد التمويل أو جزء منه، وتشجيعاً للبنوك على تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك مقومات النجاح ولا يمكنها تقديم الضمانات اللازمة أو السجلات المحاسبية التي تثبت أهليتها للحصول على التمويل، وذلك وفقا لما أورده البنك على موقعه الإلكتروني.