لعل من أشهر الكتب التي ترسخ لمفهوم النجاح من منظور جديد كتاب لا تأكل بمفردك أو Never Eat Alone لمؤلفه الأمريكي كيث فيرازي الذي نشره لأول مرة في عام 2005.
هذا الكتاب باختصار ينصحك بألا تكون أنانيا، وبألا تكون خجولا، وأن تساعد الغير، لأن في مساعدتهم الفائدة لك.
وفيرازي ليس من المشاهير أو الأثرياء، لكنه نجح في حياته العملية وأدرك أنه توصل لمعادلة إنسانية أراد مشاركة العالم بها، ألا وهي أنه حين تساعد الآخرين، بقوة وبتكرار، فإن هذه المساعدة تعود إليك أضعافا مضاعفة، وهذا ما طبقه المؤلف خلال عشرين عاما من حياته العملية.
وتتفق الدكتورة أمل شمس الدين الأستاذ بكلية التربية -جامعة عين شمس مع تلك الرؤية مشيرة إلى أن الفقر ليس نقصا في الموارد المالية للفقير، بل هو فعليا انعزال عن معرفة أناس يمكنهم مساعدة الفقير على تحسين أحواله والخروج من دائرة الفقر. الثراء هو فعليا لعبة ذات قواعد وقوانين ثابتة، ومن يفهم هذه القواعد ويتقنها، يمكنه أن ينجح ويصيب الثراء.
بالإضافة لذلك، هذا الذي يمضي في الحياة ويتعرف على أناس يساعدونه على تحقيق أهدافه، هو الآخر سينجح أكثر. نعم، يمكنك أن تنجح بمفردك، دون حاجة للتعرف على شركاء وأصدقاء ومساعدين وناصحين ومستشارين وغيرهم، لكنك لن تذهب بعيدا في نجاحك، والذي سيكون محدودا مقارنة بما كان يمكنك تحقيقه لو صنعت شبكة معارف مفيدة لك.
وتقول شمس الدين: النجاح في أي مجال، خاصة الأعمال، يتطلب أن تعمل مع الناس لا ضدهم. فحين تساعد الآخرين بدون مقابل، فإنهم عادة ما يعودون لمساعدتك أنت في يوم من الأيام. كذلك، يقوم عالم التجارة والأعمال على الناس، البشر، وهم بدورهم الذين يحددون مقدار نجاح الناجح وثراء الثري، وسيؤكد هذا الكلام أي عصامي ناجح صادق لم ينشغل بنجاحه عن الآخرين. حين تشاهد مباراة كرة قدم، ستلاحظ أنهم مجموعة من البشر، يتعاونون معا، لتحقيق هدف محدد ألا وهو الفوز. بدون تعاون الجميع لن يفوز الفريق. الأمر ذاته يتكرر في مباراة النجاح. لا تشغل بذاكرتك بحساب من ساعدك وكيف، بل اشغل نفسك بمساعدة الآخرين دون انتظار لرد.
وترى أن أفضل بداية هي أن تساعد كل الناس الذين تقابلهم في حياتك، بدون انتظار مقابل، وبكل تفانٍ، وأن تشارك الناس بما تعلمته وعرفته واكتسبته من خبرات، وبأن تتعرف على المزيد من الناس. في عالم التجارة والأعمال، أنت تعقد الصفقات مع أناس مثلك، أناس تعرفت عليهم وهم في وظائف صغار وكنت على علاقة طيبة معهم، فلما شغلوا مناصب أكبر أو شرعوا في تأسيس شركاتهم استمرت هذه العلاقة الشخصية وتحولت لعلاقة أعمال، ولعلهم نصحوا غيرهم بالتعامل معك فجلبوا المزيد من الصفقات لك.
وتضيف: الناس تحب التعامل مع أناس يوافقوهم في الفكر والهوى، أناس وقفوا بجانبهم حين احتاجوهم فأرادوا رد الجميل لهم، وهذه غريزة إنسانية منتشرة حتى ولو قابلت كثيرا ممن خالفها. الأكثر أهمية من ذلك، هو أن الناس تحب المستشارين المعلمين (Mentors) الذين يجيبون على أسئلتهم المحيرة، ويحلون لهم ما يواجهوه من مشاكل. الناجح اللامع ليس بالضرورة عبقريا أو خبيرا إستراتيجيا، بل هو من صنع شبكة من المعارف تسد ما نقص لديه من علوم ومعرفة وتساعده عند الحاجة.
ومن شروط النجاح أن تعطي بكرم، وأن تكون راغبا في العطاء دون حد، وقبل أن يطلب منك من يحتاج مساعدتك. فصنع شبكة معارف لا يعني أن تعرف وحسب، بل أن تساعد الآخرين على التعرف على معارف جدد، أو بكلمات أخرى، أن تبني شبكتك من المعارف، وأن تساعد الآخرين على بناء شبكاتهم من المعارف بدورهم. ما لم تعط بسخاء، فلن تفلح نصائح هذا الكتاب معك في حياتك وفي محيط معارفك.
حين تعمل على زيادة شبكة معارفك، سيكون هناك مخاطرة، ومرات ناجحة وأخرى فاشلة، لكن ما يصنع الفارق بين النجاح والفشل هو اختيارك المخاطرة والسعي نحو قمة النجاح. الفاشل هو من يختار ألا يخاطر ويرضى بأن يكون تقليديا مكررا ما اعتاده دون تغيير أو تجديد.