استعرضها خبراء دوليون بملتقى المؤلفين

تجارب دولية للتعليم الجامعي في زمن الجائحة

لوسيل

صلاح بديوي

استضاف الملتقى القطري للمؤلفين خلال الجلسة الثانية بمناسبة اليوم العالمي للمعلم كلا من الدكتور سعيد الرحمن من جامعة العالية بالهند والدكتورة نجلا كلش من جامعة إيطاليا والدكتور جعفر يايوش من جامعة الجزائر في ندوة دولية بعنوان تجارب دولية للتعليم الجامعي في زمن الجائحة أدارها الدكتور عبد الحق بلعابد أستاذ مناهج البحث والدراسات النقدية والمقاربة بجامعة قطري وبثت عبر قناة يوتيوب الخاصة بالملتقى.

وقد استفتح الدكتور عبد الحق بلعابد بالتذكير بهذه الاحتفالية العالمية التي جاءت هذه السنة في ظل ما يمرُّ به العالم الآن من تحديات وصعوبات على مستوى الحياة بشكل عام والعملية التعليمية بشكل خاص، فقد تأثرت العديد من الأنظمة التعليمية في دول العالم سلبا بالأزمة العالمية الحالية نتيجة انتشار جائحة فيروس كورونا ، وذلك بسبب الصعوبات الجمة التي أحدثتها هذه الجائحة أمام النظم التعليمية المختلفة، والتي كان من أهمها صعوبة التدريس المباشر للطلبة، إلا أن المعلم رفع التحدي عاليا ليكون في الصفوف الأولى ليستمر في رسالته النبيلة، من خلال توظيفه للتقنية في التعليم، ليستمر مع طلبته، فله كل التحية والتقدير.

أسئلة معمقة

وهذا ما أراد المتداخلون في هذه الندوة مناقشته من خلال أسئلة مهمة وعميقة: كيف يمكن أن نحتفل باليوم العالمي للمعلم في ظل الجائحة والظروف الاستثنائية؟، وكيف واجه الأساتذة في الجامعات العالمية هذه الجائحة على مستوى التدريس والتأطير، بالتحول من التدريس العادي إلى التدريس الافتراضي؟ من خلال تجارب يقدمها الأساتذة المتداخلون.

وقال الباحث الهندي الدكتور سعيد الرحمن إن الأساتذة هم القادة وهم من يصنعون الإنسان وهم يستحقون الاحترام والتقدير والثناء والاحتفال بمكانتهم وما يتركونه من أثر في المجتمع، مؤكدا أنه لا بد من تكريم الأساتذة من خلال منح شهادات ذات قيمة والتركيز على دور المعلم في نهضة الأمم، كما يمكن إنجاز أعمال حول إنجازات الأساتذة الكبار وجمع سيرهم الذاتية ونشرها في كتاب في كل دولة.

كما تحدث عن تجربة الانتقال من التدريس المباشر إلى التدريس الافتراضي في الهند في ظل الجائحة، حيث قال إن الاستجابات تباينت في الظروف الطارئة، ففي الشهور الأولى أغلقت الجامعات تماما في انتظار انتهاء الجائحة لكن بعد شهرين بدأت إدارات الجامعات بتوجيه الأساتذة إلى تقديم دروس عبر المنصات الافتراضية مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف الطلبة كعدم وجود الكهرباء في بعض المناطق والإنترنت المتقطع في مناطق أخرى، ومن ناحية الأخرى شكك مجموعة كبيرة من الأساتذة بجدوى الفصول الافتراضية، حيث إن بعض الجامعات أجرت بحوثا في وقت سابق حول مدى فاعلية التعليم عن بعد وخلصت هذه الدراسة إلى أن 30% فقط من مجمل الطلاب خاصة في المراحل العليا قادرون على الوصول إلى المعلومة عن بعد في حين يتعذر ذلك على بقية الطلاب بسبب عدم توفر البنية الأساسية الكفيلة بإنجاح عملية التعليم عن بعد، لكن مع استمرار الجائحة لفترة زمنية لم تكن متوقعة كان لا بد من العودة للدراسة عن بعد رغم أن التحديات ما زالت تفرض نفسها من ناحية الطلاب ومن ناحية المدرسين أنفسهم الذين يعوزهم التدريب عن استخدام المنصات الافتراضية، مشيرا إلى أن التعليم عن بعد قد ينجح إلى حد ما في العواصم الهندية والمدن الكبرى في حين أنه يكون مستحيلا في القرى الصغيرة، حيث تمكنت ولاية كيرالا الهندية من التأقلم مع هذه الظروف واستخدام المنصات الافتراضية واستغلالها في نشر الوعي والثقافة، مشيرا إلى أن أقسام تعليم اللغة العربية بالجامعة الهندية كانت الأكثر استفادة من الجائحة حيث إنه كانت تعقد ندوة واحدة سنويا بالتعاون مع الأساتذة العرب وكانت الجائحة سببا في فتح جسور التواصل بين الهند والدول العربية وتكثيف الأنشطة المشتركة حتى أن طلبة اللغة العربية استفادوا كثيرا من المحاضرات التي قدمها الدكاترة في مختلف المجالات المتعلقة بالأدب والثقافة، موضحا أن الحل الأمثل في هذه الفترة هو المج بين التعليم المباشر والتعليم الافتراضي.

التجربة الإيطالية

ومن إيطاليا تحدثت الدكتورة نجلا كلش عن تجربتها في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها عن بعد في ظل انتشار فيروس كورونا، حيث إن إيطاليا على غرار مختلف دول العالم كانت هذه السنة بالنسبة إليها في ظل الجائحة الأكثر تحديا بالنسبة للمعلمين والأساتذة الجامعيين، ورغم التحديات إلا أن المعلمين واصلوا أداء واجبهم على أفضل وجه وتحلوا بالمرونة والتصميم لقيادة الطلاب في الظروف غير المستقرة، حيث إن التعليم عن بعد يتطلب مجهودا مضاعفا، كما أنهم لعبوا دورا مهما في حياة الطلاب وفي المجتمع إجمالا، وأشارت أن الاحتفال باليوم العالمي للمعلم فرصة للتعرف على جهود المعلمين حول العالم معتبرة أن التذكير بجهود المعلم والتحديات التي يواجهها يعد أفضل تكريم له، وقالت إنه خلال الجائحة أدركت الحكومة الإيطالية مدى أهمية الاستثمار في المعلمين والباحثين الذين كانوا في الصفوف الأولى لمواجهة الجائحة. مؤكدة أن ثقافة التعليم عن بعد تعد جديدة على إيطاليا رغم عراقة الجامعات الحكومية والخاصة حيث كان التعليم عن بعد حكرا على بعض طلبة الدكتوراه في الجامعات الخاصة، وهذا ما جعل الأساتذة والطلبة غير جاهزين للانتقال للتعليم عن بعد بسبب الصعوبات التقنية وخصوصية بعض المحاضرات التي تتطلب تواجد الطرفين داخل الفصل، وأضافت أن الحجر المنزلي أثر على نفسية الأساتذة والطلبة بسبب التغير المفاجئ لنمط الحياة وهو ما ضاعف مسؤولية المعلم لتحفيز الطلبة على التأقلم، كما ذكرت أن المواد المخصصة لتدريس اللغة العربية ليست متوفرة بشكل كاف على المنصات الافتراضية كما هو الحال بالنسبة لبقية اللغات، وهذا ما يتطلب جهدا مضاعفا، وأوضحت أن الدراسة عن بعد كان لها العديد من الإيجابيات مثل المحافظة على التواصل الاجتماعي رغم الحجر المنزلي كما أن نسبة تفاعل الطلاب تضاعفت في التدريس عن بعد خاصة الطلاب الأكثر خجلا الذين تمكنوا من كسر الحواجز وهو ما جعل هذه التجربة ناجحة، وختمت بالقول إن الجائحة فرضت إعادة النظر في المنظومة التعليمية وفتحت أعيننا حول إيجابيات التعليم عن بعد.

صدمة في الجزائر

من جهته قال الأكاديمي الجزائري الدكتور جعفر يايوش إن المجتمع الجزائري كسائر بلدان العالم شعر بالصدمة مع بداية انتشار الجائحة باعتبار أن انتشار الفيروس أحدث تغييرا تاما على نمط الحياة المألوف وطريقة التعليم كما عهدناها وقطعت مع العصر الطباشيري لتبدأ العصر التقني، معتبرا أنه لا رجعة إلى الحالة السابقة، وهو ما يجعل العالم يثمن دور المعلم الذي يعلم أبجديات الحضارة وينقل معارف السابقين للجيل الحالي الذي سيحمل بدوره المشعل للجيل الذي يليه لبناء المستقبل، ولا بد من تثمين مكانة الأستاذ في الوطن العربي من خلال إعادة التأهيل للاستعداد لفترات الأزمات على المستوى الأكاديمي والتقني لمواكبة التغيرات والتأقلم مع مختلف الظروف ولا بد من إعطاء المدرس المكانة الاجتماعية التي يستحقها ليتمكن من مواصلة تأدية واجبه وإيصال رسالته، كما لا بد أن يمنح الأستاذ فرصة في صياغة المناهج التعليمية ليكون مجددا ضمن مادته بما يتاح من الوسائل، مشيرا أن ما جعل الانتقال للمرحلة الحالية من التدريس عن بعد هو عدم الاستعداد النفسي والتقني للأساتذة، وتحدث عن تجربته الشخصية حيث إن الانتقال لم يكن صعبا بالنسبة إليه لأنه كان من الداعين والمشجعين على التدريب التقني وكان مشرفا على المنصات الافتراضية لنشر بيانات وبحوث الأساتذة في قسم اللغة العربية بجامعة الجزائر، وذكر العديد من الندوات المؤتمرات التي شارك فيها أو أشرف عليها في ظل الجائحة، وعرفت إقبالا كبيرا من الطلبة والباحثين، لثقتهم في دور المعلم سواء في محاضرته التقليدية، أو محاضراته الافتراضية التي جمعتهم وإن كان عن بعد.

ويشار إلى أن الجلسة الأولى بمناسبة اليوم العالمي للمعلم كانت قد بثت يوم الثلاثاء الماضي عبر يوتيوب الملتقى وسلطت الضوء على تعزيز مكانة العلم والمعلم في المجتمع القطري.