مع مطلع يوليو الماضي، فوجئ المصريون بحزمة من القرارات التقشفية استهدفت كل شرائح المجتمع، بخاصة الأقل دخلًا، وسط ثبات ملحوظ بالأجور، وهو الأمر الذي يثير مخاوف المصريين من موجة تضخم قاسية، قد تضرب الأسواق بالربع الجاري، فبعد أن قررت الحكومة المصرية، رفع سعر سلعتي السكر والزيت بنسبة 25% و17% على التوالي، ببطاقات التموين، ليرتفع بذلك سعر كيلو السكر ببطاقة التموين إلى عشرة جنيهات، وسعر زجاجة الزيت إلى 14 جنيها.
كان الدور على أسعار الوقود التي رفعتها الحكومة للمرة الثانية منذ التعويم بنسب تصل إلى 100%، ولم تمر أيام حتى أعلنت وزارة الكهرباء رفع أسعار الكهرباء المنزلي بنسب متفاوتة وفق شرائح الاستهلاك، تراوح بين 18 42.1% خلال العام المالي الجاري 2017 /2018.
فيما ينتظر المصريون خلال الشهر الجاري قرارًا بزيادة هي الثالثة على أسعار الأدوية خلال 15 شهرًا، بعدما رفعت مصر أسعار الدواء، مطلع العام الجاري، بنسبة تراوحت ما بين 30 إلى 50% للأدوية المحلية، و40 إلى 50% بالنسبة للمستوردة، بعد زيادة الأدوية الأقل من 30 جنيهًا (7 آلاف صنف)، بنسبة 20% في مايو 2016.
وتضغط هذه القرارات بشكلٍ مباشر على أسعار السلع وهو الأمر الذي يدفع نسب التضخم في البلاد إلى الارتفاع بصورة مستمرة، فبحسب البيانات الرسمية، سجلت معدلات التضخم السنوي في مصر، نحو 30.9% على أساس سنوي، في يونيو الماضي، مقارنة مع الشهر السابق له، وفقا لما ذكر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (حكومي).
وبالرغم من نسبة التضخم المرتفعة إلا أن مصر تتوقع ارتفاع معدل التضخم بنحو 5% بسبب قرارات رفع الدعم المذكورة، إذ يتوقع الجهاز المركزي المصري للتعبئة والإحصاء، أن يؤدي رفع أسعار الوقود فقط إلى زيادة أسعار النقل بنحو 3.7%.
محاولات فاشلة
وتحاول الحكومة السيطرة على نسب التضخم المرتفعة إلا أنها فشلت حتى الآن، وجاءت المحاولات على جانبين هما رفع الفائدة، بالإضافة إلى تدابير الحماية الاجتماعية، إذ قرر البنك المركزي المصري، مؤخرًا، رفع سعر الفائدة الأساسية بنسبة 2%، إلى 18.75% للإيداع و19.75% للإقراض، وهي النسب التي تعد الأعلى في تاريخ البلاد.
وفي الوقت ذاته تظل تدابير الحماية الاجتماعية ضعيفة في نظر المراقبين ولا يمكن أن تعوض خسائر المواطن من هذه الزيادات المتعاقبة، إذ قررت مصر في 29 مايو 2017، اعتماد سلسلة من تدابير الحماية الاجتماعية لمساعدة المواطنين على مواجهة الظروف التضخمية وتخفيف الأعباء عنهم، بإجمالي 2.5 مليار دولار من الموازنة العامة للدولة، حيث وافقت الحكومة، على مقترح بزيادة المعاشات التأمينية بنسبة 15%، اعتبارًا من مطلع العام المالي الجاري.
وشملت إجراءات الحماية الاجتماعية، زيادة قاعدة الموظفين والعاملين غير الخاضعين لضريبة الدخل، ومنح خصم من الضريبة الواجب على الأفراد سدادها، ويزداد الخصم كلما قل الدخل، ولكن لا تزال هذه الإجراءات غير كافية بحسب العديد من الخبراء.
34 % تضخم متوقع
يرى محمد عبدالحكيم، الخبير الاقتصادي، والرئيس التنفيذي لبرودنت للاستشارات الاقتصادية، بعد قرار تحرير سعر الصرف فى نوفمبر 2016 بدأت معدلات التضخم فى القفز من 13-15% إلى أعلى من 30% فى فبراير ومارس وأبريل 2017 قبل أن تنخفض عن المتوقع فى مايو ويونيو حسب آخر إحصاءات معلنة.
وقال خلال تصريحات خاصة لـ لوسيل إن التوقعات تظل حتى الربع الثالث الحالى من 2017 تدور حول 34% تقريبا قبل أن تنخفض إلى 26% تقريبا للربع ثم إلى ما دون 20% للربع الأول من 2018.
وأوضح الخبير أنه كان لرفع الدعم دور بالغ فى ازدياد معدلات التضخم خلال الفترة السابقة خاصة رفع الدعم عن الطاقة الذى كان له أثر مباشر فى انتقال مؤشر أسعار المستهلكين الاساسية من 180 نقطة تقريبا فى أكتوبر 2016 إلى 226 نقطة تقريبا فى يونيو 2017.
6 أسباب لجموح التضخم
ضياء الناروز، استاذ الاقتصاد المصري، قال إن منذ إندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011م، والاقتصاد المصري يعاني من العديد من المشكلات الاقتصادية، والتي غالباً يتحمل المواطن، خاصة محدود الدخل توابع هذه المشكلات، ولعل أهم هذه المشكلات وأخطرها هو التضخم؛ والذي يرتفع بمعدلات قياسية، لم تشهدها مصر من قبل، وحقيقة الأمر أن ارتفاع معدلات التضخم في مصر محصلة طبيعية لجميع المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد المصري.
وأضاف الناروز خلال تصريحات خاصة لـ لوسيل أن أهم العوامل التي ساعدت علي جموح التضخم في مصر، وارتفاعه بمعدلات قياسية، يتلخص فيما يلي:
1- انخفاض الإنتاجية، إذ أن انخفاض الإنتاجية هو التضخم بعينه علي عكس ما هو متداول، خاصة في الاوساط الصحفية من أن التضخم هو ارتفاع مستمر في المستوى العام للأسعار، وحقيقة الأمر أن هذا الارتفاع المستمر في المستوي العام للأسعار ما هو إلا أهم مظاهر التضخم، وأهم مقياس له، لذا فإن انخفاض الانتاجية وتعطيل الكثير من الموارد المتاحة في المجتمع يعتبر من اهم عوامل ارتفاع معدلا التضخم في مصر، بسبب توقف الكثير من المصانع عن الإنتاج، وهروب الاستثمارات.
2- تخفيض الدعم، حيث أن ما تنتهجه الحكومة الحالية من تخفيض تدريجي للدعم، خاصة علي السلع والخدمات الضرورية، وخاصة المحروقات، يترتب عليه ارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات. نتيجة ارتفاع تكلفة انتاجها.
3- زيادة الواردات، خاصة الواردات من دول يعاني اقتصادها من ارتفاع معدلات التضخم، وهو ما يُعرف بالتضخم المستورد.
4- ارتفاع معدلات الضرائب والرسوم الجمركية، وهو عامل مهم جدا من عوامل ارتفاع معدلات التضخم في مصر، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبالتالي ارتفاع اسعار السلع والخدمات بمعدل اكبر، وهو ما يُعرف بتضخم التكاليف.
5- زيادة العرض النقدي، نتيجة عمليات طباعة البنكنوت من جانب البنك المركزي.
6- تحرير سعر الصرف، ليكون بمثابة وهو القرار الذي سكب الزيت علي النار، حيث ساعد قرار التعويم علي ارتفاع معظم السلع والخدمات خاصة المستورد منها.
ويوضح الخبير أن معدلات التضخم الرسمية التي يتم الإعلان عنها، تختلف باختلاف سلة السلع والخدمات التي يتم الاعتماد عليها في قياس التضخم من ناحية، وسنة الأساس من ناحية أخري، لذا فإن معدلات التضخم الرسمية، ربما تصلح لقياس التضخم علي المدي القصير، لكنها لا تعكس الوضع الحقيقي للتضخم علي أرض الواقع، مشددا على أنه من المتوقع أن تستمر الموجة التضخمية لمدة أطول، فالمعطيات المتاحة لا تنبئ بتغير ملموس في سياسات الحكومة لمحاولة كبح جماح هذا التضخم.