يوضح كتاب من أين يأتي المال؟ كيف يتحقق الجانب الأكبر من الأموال في الوقت الراهن، وذلك بخلاف كل التصورات العامة، وكيف تخصص البنوك التجارية الأموال في دورها كجهات مزودة للأموال.
ويقول مؤلفو الكتاب إن هذا النظام غير مستقر بصورة كبيرة، في ظل مجموعة قليلة من القواعد التنظيمية التي تحكم كمية الأموال التي يتم توفيرها وما إذا كانت تستخدم لأغراض إنتاجية أو حتى لأغراض المضاربة، وعلى أساس الأبحاث التفصيلية والمشاورات مع الخبراء، بما فيهم بنك إنجلترا المركزي، يقوم كتاب من أين يأتي المال؟ بمراجعة المناقشات النظرية والتاريخية حول طبيعة المال والأنشطة الصيرفية، ويوضح الدور الذي تلعبه البنوك المركزية، والحكومة والاتحاد الأوروبي.
تشتمل الطبعة الثانية من كتاب من يأتي المال؟ على أجزاء جديدة تناقش العمل وسياسة التيسير الكمي في المملكة المتحدة وكذا أزمة الديون السيادية في منطقة العملة الأوروبية الموحدة اليورو .
ويقول المؤلفون إن الكثير من الأشخاص سيصابون بالدهشة من معرفة أنه وحتى بين الخبراء المصرفيين والخبراء الاقتصاديين وصناع السياسات، لا يوجد فهم مشترك للكيفية التي يتم من خلالها تحقيق أو كسب المال.
وأوضح المؤلفون أن تلك مشكلة لسببين رئيسيين: الأول يتمثل في غياب هذا الفهم، كما أن المحاولات التي تتم لإصلاح القطاع الصيرفي تفشل على الأرجح، والسبب الثاني هو أن كسب أموال جديدة وتوزيع القوة الشرائية هما وظيفتان اقتصاديتان حيويتان ومربحتان جدا.
ومن ثم فإن هذا مسألة تتعلق بالمنفعة العامة، وليست مناقشة متخصصة مبهمة.
ويؤكد المؤلفون أن الوضوح والشفافية حول هذه المسألة من الممكن أن تسهم في تحسن كل من الشرعية الديمقراطية للنظام المصرفي وأيضا وجهات نظرنا الاقتصادية.
معرفة المال
ويوضح مؤلفو الكتاب أن التعرف على المال مسألة ليست بالسهلة، مردفين أنهم اضطروا إلى الرجوع إلى المناقشة التاريخية والنظرية لتحديد أن كل شيء مقبول كمدفوعات على نطاق واسع، لاسيما من جانب الحكومة كمدفوعات ضريبية، يمكن أن نطلق عليه مال . ويشتمل هذا على الائتمان المصرفي نظرا لأنه وبرغم أن عبارة أنا مدين لك من صديق لا تقبل في مكتب الضرائب أو في متجر محلي، لكنها تكون مقبولة بدون أدنى شك من بنك.
ويضيف المؤلفون أن العملة الوطنية في المملكة المتحدة تتواجد في أشكال رئيسية ثلاثة، والشكلين الأخيرين منها إلكترونيان:
1- النقود- الأوراق المالية (البنكنوت) والعملات.
2- احتياطي البنك المركزي- الاحتياطيات المودعة من جانب البنوك التجارية في بنك إنجلترا المركزي.
3- الأموال في البنوك التجارية- الودائع المصرفية التي يتم فتحها حينما تقوم البنوك التجارية بإقراض الأموال، ومن ثم تقوم بمنح ائتمانات للمقترضين، بالنيابة عن العملاء، أو حين تقوم البنوك التجارية بشرا أصول من القطاع الخاص وتقدم مدفوعات من حساباتها الخاصة (مثل المدفوعات الخاصة بالراتب أو المكافأة). ويشير كتاب من أين يأتي المال؟ إلى أن بنك إنجلترا المركزي أو الحكومة بوسعها أن تصنع أول شكلين من أشكال المال، واللذين يشار إليهما هنا في هذا الكتاب بـ أموال البنك المركزي . وبالنظر إلى أن احتياطي البنك المركزي لا يدور بالفعل في الاقتصاد الوطني، يمكن خفض إمدادات المال الذي يدور بالفعل في الاقتصاد والذي يتألف من الأموال النقدية وأموال البنوك التجارية.
طرق متناقضة
وتمثل الحسابات النقدية المادية أقل من 3% من إجمالي مخزون المال في الاقتصاد، وأموال البنوك التجارية - الودائع الائتمانية - تشكل النسبة المتبقية من معروض المال (97%). وأفاد مؤلفو الكتاب بأن ثمة طرقا عدة متناقضة لوصف ما تفعله البنوك، وأن الطريقة الأبسط هي أن البنوك تأخذ الأموال من المدخرين، وتقوم بمنحها إلى المقترضين، لكن ليس كل ذلك هو ما تفعله المؤسسات المصرفية فقط، فالبنوك لا تحتاج إلى انتظار عميل كي يودع أمواله قبل أن تستطيع منح قرض جديد إلى عميل آخر، وفي الحقيقة فإن العكس هو الصحيح، بمعنى أن منح القروض يخلق وديعة جديدة في حساب العميل.
والطرق الأكثر تعقيدا لوصف ما تفعله البنوك هو أن الأخيرة بوسعها أن تقرض الأموال مرات عديدة وبأكثر من حجم السيولة النقدية والاحتياطيات التي تمتلكها في بنك إنجلترا المركزي، وهذه صورة أكثر دقة، لكنها لا تزال غير كاملة ومضللة، ويدل ذلك على صلة قوية بين حجم الأموال التي تصنعها البنوك وحكم الأموال التي تودعها في البنك المركزي، وثمة أيضا فرضية واسعة مفادها أنه ومن خلال هذا النهج، فإن البنك المركزي يبسط سيطرة كبيرة على حجم الاحتياطي التي تودعها فيه المؤسسات المصرفية.
ووجد مؤلفو الكتاب أن الوصف الأكثر دقة هو أن البنوك تصنع أموالا جديدة حينما توسع الائتمان، وتشتري الأصول القائمة بالفعل أو حتى تقدم المدفوعات من حساباتها الخاصة، وهو ما يتضمن في معظم الأحيان توسيع أصولها، كما أن قدرتها على فعل ذلك مرتبطة ارتباطا ضعيفا بحجم الاحتياطيات المودعة من جانبها في البنك المركزي.
وإبان الأزمة المالية العالمية التي اندلعت شرارتها في خريف العام 2008، على سبيل المثال، كانت البنوك تمتلك احتياطيات بقيمة 1.25 جنيه إسترليني لكل 100 جنيه إسترليني يتم إصدارها كائتمان.
وتعمل البنوك في إطار نظام إلكتروني فاعل يقوم بحساب المدفوعات المتعددة في نهاية كل يوم، حيث يستلزم هذا النظام المصارف أن تمتلك فقط نسبة صغيرة من أموال البنك المركزي كي تلبي شروط ومتطلبات المدفوعات المستحقة عليها.
ويهدف كتاب من أين يأتي المال؟ إلى تأسيس فهم مشترك وقوي بأن البنوك التجارية تصنع أموالا جديدة.
التيسير الكمي
ويرى الإنسان العادي غالبا أن صانع المال هي الحكومات، لكن ما يسمى بالتيسير الكمي يشير إلى سلطة كبيرة للبنوك المركزية في إيجاد النقود من العدم، وهناك وجهة نظر متزايدة في أن البنوك الخاصة (التجارية) هي التي تصنع أو توجد معظم المال عبر توليد نقود من توليد قروض، وأهم أشكال النقود ثلاثة:
- كاش: نقود ورقية ومعدنية.
- احتياطي للبنوك التجارية في البنوك المركزية.
- ودائع بنكية تتيح للبنوك الإقراض أو التمويل (أيا كان الاسم)، وهذه الخطوة في حقيقتها تنتج نقودا، مثلا، أحد الأشخاص يودع مليون جنيه إسترليني في بنكه صباح يوم من الأيام، والبنك بدوره يقرض، مثلا نصفه لشخص آخر في ذلك اليوم، ويودع المبلغ المقرض في حساب هذا الآخر، بداية اليوم كان هناك ودائع بمليون جنيه إسترليني، وفي نهاية اليوم أصبحت الودائع مليونا ونصف المليون جنيه إسترليني، وهكذا، لا تحب البنوك أن ينظر إليها هكذا.
أي أنها تصنع النقود من العدم، وتتقاضى عمولة على هذه العملية، بل تحب أن ينظر إليها على أنها وسيط بين المودع والمقترض.
ويقول كلاديو بريو، من بنك التسويات الدولية، في بحث له: إن النظام المصرفي ببساطة لا يحول الموارد الحقيقية، لكن ينقلها بشكل فاعل من قطاع إلى آخر ، طبعا هذا النقل يصنع قوة شراء، إذا كانت عملية الإقراض في النظام المصرفي تولد النقود، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ما حد هذا التوليد؟ الوجهة التقليدية أن الاحتياطي المفروض من البنك المركزي (كمؤسسة نقد) على البنوك التجارية يضع حدودا للتوليد، لكن بعض الباحثين في الاقتصاد النقدي والبنكي يخالفون هذا الرأي ويقولون إن البنوك التجارية تصنع الودائع من القروض دون مراعاة لوضع احتياطيها في البنك المركزي.