أوضح فضيلة الشيخ د. محمد حسن المريخي خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب أن دين الإسلام دينكم، وشريعتكم دين العالمين، ومحمد رسول الله رسولكم ورسول العالمين للعالمين وهو رحمة الله للبشرية إلى يوم الدين، وأن الإسلام دين الرحمة والمودة، دين يجمع ولا يفرق دين القيم والمثل العليا وكريم المبادئ الأخلاقية ومن تأكيد الإسلام على قيمة الإنسانية في أسمى معانيها أنه دعا إلى التعارف والتكاتف والتواصل بين الناس ليس بين أفراد الأمة فقط وإنما حتى من غير المسلمين لما ي ذلك من تقوية الأمة وحمايتها وحراستها، ولما في التعارف والتواصل مع غير المسلم من الدعوة إلى الإسلام ونشر قيم الدين والملة، وإطلاع البشر على استقامته وسموه وأهدافه وغاياته يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل إن الله عليم خبير .
وأضاف الخطيب: لأن الإسلام دين العالمين أمر بالتواصل والتعارف مع الشعوب والأقوام وعرض الشريعة عليهم، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل رسله وكتبه إلى ملوك الأرض وكبراء الناس في أممهم يدعوهم ويبشرهم بدين الله ويعدهم وعود النجاة والفلاح إذا تابعوه وآمنوا به يخاطبهم بالحسنى والأسلوب المحبب للنفوس كما أمره الله تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ، ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله .
وذكر الشيخ محمد المريخي أن القرآن الكريم يؤكد على ألا يكره الناس ولا يرغمهم على شيء فقط يدعوهم ويبلغهم ويريهم حسن الإسلام وكريم خصاله، وسمو غاياته، لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ، قال تعالى أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين والتعارف حيلة وقربى وزيادة ومودة ونصح وبذل وحب للخير، هذا إذا كان مع الأخ المسلم، أما إذا كان التعارف مع غير المسلم فهو صلة وعشرة وزيادة وخلق وبيان السبيل المستقيم ونصح وإرشاد وبيان للحقائق وإظهار للكرم والشجاعة الأدبية والعلمية واستعداد للحوار الهادف البناء ابتغاء الوصول إلى بر الأمان الدنيوي والأخروي دون بلا إكراه على الدخول في الإسلام ولا إكراه على التنازل عن المبادئ.
وأردف: في التعارف مع غير المسلم يظهر فيه خلق المسلم النبيل والتصرف المستقيم وكشف لأخلاق الإسلام، ذلكم لأن التعارف معهم في حقيقته دعوة للدخول في الإسلام، ببيان حقيقته المغيبة عندهم وإزاحة لما علق في الأذهان من الأخطاء الفظيعة والأفكار المنحرفة والتصور الخاطئ، التعارف معهم دعوة إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له، كما أنها دعوة للوقوف على هدي رسول الله والتعرف عليه من خلال السماح للنفس بالطلاع على كبير مقامه صلى الله عليه وسلم في كتاب الله وسنته المطهرة وأنه سيد الخلق وصفوة الخليقة وسيد ولد آدم والناس أجمعين.
وقال الخطيب إن التعارف فرصة للنجاة لهم من الخسارة الأخروية فكم من مهتد هداه الله تعالى على من شاء من عباده المؤمنين بعد التعرف والمعرفة والجلوس معهم وحبا للخير ورغبة في كشف الحقيقة، فكم صرح هذا وغيره بأنه بعد وقوفه على الحقيقة أنه لم يسمع بهذا الخير في الإسلام، وأنه بهذه الحقيقة أذهبت فكرة أو فكرا معوجا عن الإسلام وأهله وكم من مهتد بكى بعد الهداية فرحا بنجاته وسلامته وعافية الله له مما كان عليه.
وذكر بأنه كان هناك غلام يهودي يخدم رسول الله فمرض فعاده رسول الله وعرض عليه الإسلام وقام عنه رسول الله وهو يقول الحمد لله الذي أنقذه من النار، وبكى عمرو بن العاص رضي الله عنه عند موته فسأله ولده عبدالله بن عمرو وأخذ يذكر لوالده أنه صاحب رسول الله وفتوحه للشام فقال له والده لقد تركت أفضل من هذا كله شهادة أن لا إله إلا الله يعني يوم كان كافرا، ثم قال كنت أول شيء كافرا وكنت اشد الناس على رسول الله فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله كنت أشد الناس حياء منه فما ملأت عيني من رسول الله ولا راجعته فيما اريد حتى لحق بالله عز وجل حياء منه، فلو مت يومئذ فقال الله هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير، فمات فرجي له الجنة، فالشاهد أن التعارف دعوة للإسلام ولحظة نجاة وفوز بإذن الله لمن شاء الله أن يهديه ويشرح صدره للإسلام.
فليعرف الآخر غير المسلم وليرى الإسلام والإيمان وعافية الرحمن عليكم أو فيكم وليعرف وليتعرف من خلالكم على الأخلاق الإسلامية الكريم وليرى فيها الرفعة والطهارة والجمال الإسلامي، وليقف فيكم أو من خلالكم على آداب الشريعة وحقيقة الدين الإسلامي، الذي تشوش كثيرا ي العقول عندهم وغيبت أنواره، فليتعرف على كرم الله على عباده بالتوحيد الخالص وليرى كيف يفعل الإيمان في الإنسان، إذا آمن بربه الواحد الأحد وتابع رسوله ومنهج النبوة واستقى عقيدته من الوحي المنزل (كتاب الله وسنة رسوله) مباشرة، وليرى العالم حقيقة التقدم والتحضّر والرقي بالإيمان وشرائع الإسلام، ليرى التحضر الحقيقي الذي طمس منذ أربعة عشر قرناً، وجُعل مكانه ما يسمى بالتّقدم وما هو بتقدّم ولكنه تأخرن ليلمس العالم تقدمكم الحقيقي في التّمسك بالأخلاق الحميدة والحرص على المبادئ الربّانّية والرفعة بها في العلياء والتنزه عن السفاسف والهابطات من التّصرفات، ولتظهر الشيم والمروءات التي بإذن الله يهتدي بها المهتدون وتلت انتباه الباحثين عن الحقّ.
ولفت الخطيب إلى أنه في الشعوب والأقوام من غير المسلمين منصفون، وعلماء
وخبراء وأصحاب نظرٍ ومعرفة، وذوات تقييمٍ وتثمين يقيّمون الناس على مدى تمسّكهم بأصولهم ومبادئهم يثمّنون الاستقامة والاعتدال، ويعجبهم المستقيم وإن خالفوه في عقيدته وملتهن تُعجبهم ويعجبون بالشّعوب التي تعتز بمبادئها وأديانها ومورثاتها القيّمة وأخلاقهم الرّاقية وأصولهم. وفي المقابل ينفرون بل يحتقرون ويسقطون من نظرهم وأعينهم من لا يعتز بأصوله وقيمه وعقائده وإنما تكون وتتكوّن الفكرة عندهم بهذا الميزان العقلي، الذي يقول: هؤلاء لو كان لهم دين مستقيم لاستقاموا عليه، اما وإنهم لم يستقيموا، فهذا يدل على انحرا دينهم واعوجاج عقيدتهم واهتزاز أصولهم. وهؤلاء كما لا يخفى على أحد؛ فيهم من يحب أن يتعرف على الشعوب المسلمة بالذات، وعنده رغبةٌ في التعرف على الإسلام والإيمان بصورته الصحيحة البعيدة عن التشويش والتحريف، قد جعل الله فيهم شيئاً من ذلك نصرةٌ لدينه وشريعته (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فيهم من يرغب في هذه المعرفة وبلوغ هذه الأمنية، ولكن تنقصه المعرفة الحقيقية لمبادئ هذا الدين العظيم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حُمُر النعم) رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم (بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج...) رواه البخاري.
والمحترم يُحترم، والمستقيم يستقام به بإذن الله، والرائحة الطيبة الزكية تجذب من يشمُها ومن يجد ريحها والرائحة الخبيثة ينفر وينفر منها الإنسان، والمبتذل يُبتذل، وعرض السلعة فن إدارة، والتجارة الرابحة سببها العرض الجيد وإبرازها بهيئة جذابة وملفتة، والبضاعة الفاسدة يُكتشف فسادها وزيفها في حينها ولو زُخرفت بالورد والياسمين فاحذر من دخائل الأمور ومائل التصرفات ومعوج السلوكيات والله تعالى غالب على أمره، ولن يوفق أو يبلغ من خالف أمره وعصاه، والمرءُ إنما يعمل خيراً لنفسه أو سوءاً على نفسه (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون).
وأكد الشيخ د. محمد حسن المريخي أن التعارف مع غير المسلمين استقامة واعتدال وتأكيد ومسؤولية ودعوة إلى دين الله تعالى وليس تنازلا عن العقيدة والمبادئ والقيم، بل فيه دفاع عن الإسلام بتصحيح الأفكار المغلوطة والفهم الخاطئ عن دين الله تعالى وإعطاء وبيان حقيقته الناصعة وحتى يبارك الله تعالى في هذا التعارف ينبغي أن يكون لله بنية خالصة لله سبحانه، وإن أغلى ما يملكه المسلم اليوم دينه الإسلام وعقيدته الإسلامية المباركة فجدير بالمسلم الحق أن يدافع عن دينه استنارة بعض العقول والمفاهيم بدين الله، وببيان عقيدته وعبادته ومعاملاته وقيمه وأخلاقه ولا يكن المسلم سلبيا لا حول ولا قوة، ولا كأنه يهمه دينه عقيدته، هذا هو سبيل التعارف مع غير المسلمين بضوابط الشريعة وحدودها وأحكامها لا كما يظن بعض الناس ممن جهل أمر ربه عز وجل بأن التعارف تنازل وفتح للأبواب على مصاريعها فهذا لا يقوله إلا من رخصت بضاعته وحلت عقيدته وإيمانه، فاتقوا الله وأروا الله من أنفسكم خيرا، واعرضوا دين الله عرضا صحيحا ليقف الآخر على عظمة دين الله ويمحو من ذهنه وفكره ما تشوهه وتزيف، وأبشروا بكل خير وعافية إذا نصرتم دين الله تعالى وبشر المؤمنين.