أكد فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة أن كل يوم يعيشه المسلم في هذه الحياة غنيمة يجب ألا تضيع منه، وأن المسلم مسؤول عن وقته وعمره، ومطالب بالمحافظة عليه، وفي توديع عام واستقبال آخر تعظم مسؤولية المسلم في محاسبة نفسه، ولذا فحاسب نفسك قبل أن تحاسب، وزِن أعمالك قبل أن توزن عليك، قف مع نفسك بصدق وسلها عن حقوق الله عز وجل وعن حقوق العباد عليك، هل وفّيتها؟
وقال الشيخ عبدالله النعمة في خطبة الجمعة التي ألقاها في جامع الشيوخ: موعظة بليغة ووقفة للمحاسبة ونحن نعيش هذه الأيام في وداع العام الهجري الذي تصرمت أيامه، وقُوضت خيامه كلمحة برق أو غمضة عين، عام مضى وانقضى من أعمارنا ولن يعود إلى يوم القيامة، قال الحسن البصري رحمه الله: ابن آدم إنما أنت أيام، فإن ذهب يوم ذهب بعضك .
وذكر الخطيب أن أعظم موعظة وأبلغ عبرة يستفيدها المسلم من المحاسبة عند انقضاء العام أن يدرك أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها الزوال، فكم من عامر عما قريب يخرب، وكم من مقيم بها عما قليل يرحل، هي دار ما لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا علم له، يَٰقَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا مَتَٰعٌ وَإِنَّ ٱلْءَاخِرَةَ هِىَ دَارُ ٱلْقَرَارِ ، قال موسى عليه السلام يوصي أصحابه: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، ولا تنازعوا أهل الدنيا في دنياهم فينازعوكم في دينكم، فلا دنياهم أصبتم ولا دينكم أبقيتم ، تلكم هي حقيقة الدنيا التي شُغل بها كثير من الناس وفُتنوا بها، وتقاطعوا من أجلها وتخاصموا في حطامها الفاني وغرهم سرابها وبريقها وينتها فراحوا يتهافتون على جمعها ويتنافسون في اكتنازها ونسوا أن الدنيا في حقيقتها ما هي إلا معبرة إلى الدار الآخرة، وميدان يتنافس فيه المتنافسون ويتسابق فيه المتسابقون للفوز بالدار الآخرة، ولقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتخوف الدنيا على أصحابه وأتباعه أن تبسط عليهم كما بسطت على من كان قبلهم فيتنافسوها كما تنافسها القوم، فتهلكهم كما أهلكت من كان قبلهم.
غنيمة الحياة
وأردف الخطيب: إن كل يوم يعيشه المسلم في هذه الحياة غنيمة يجب ألا تضيع منه، كما قال قتادة رحمه الله: المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث: مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة من أمر دنياه لا بأس بها ، فالمسلم مسؤول عن وقته وعمره، ومطالب بالمحافظة عليه، ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ولفت الشيخ عبدالله النعمة إلى أنه في توديع عام واستقبال آخر تعظم مسؤولية المسلم في محاسبة نفسه، فها نحن اليوم نعيش آخر أيام هذا العام الهجري، الذي تصرمت أيامه وانقت لياليه، ولكأننا بالأمس القريب نستقبل هذا العام حين دخل، وها هو ينتهي وكأنه ما كان، وهكذا الدنيا، فحاسب نفسك قبل أن تحاسب وزن أعمالك قبل أن توزن عليك، قف مع نفسك بصدق وسلها عن حقوق الله عز وجل عليك، هل وفّيتها؟ وعن حقوق الناس عليك، هل أديتها؟ وما حالك مع التوحيد والصلاة والعبادات والطاعات؟ ماذا دونت في صحيفة أعمالك؟ هل تسرك إذا نظرت إليها يوم القيامة أم تسوءك؟ ما هو همك وهدفك مع إطلالة هذا العام الجديد؟ ابدأ عامك الجديد بحسن النية، وعلو الهمة وصدق التوبة والعزيمة على الاستقامة لله تعالى، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ومن غناك لفقرك ومن فراغك لشغلك ومن شبابك لهرمك، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .
سورة العصر
من جانبه بين فضيلة الشيخ محمد محمود المحمود أن سورة العصر هي الوصية العظمى التي ينبغي أن نتواصى بها كل حين لما فيها من موعظة بليغة ووصية عظيمة، كما بين أن وصية النبي لنا بتقوى الله فيها صلاح الآخرة، ووصيته بطاعة من ولي علينا فيها صلاح الدنيا، ووصيته بالتمسك بكتاب الله وبسنته صلى الله عليه وسلم وبما عليه عمل الخلفاء الراشدين من المهديين فيها صلاح الدين، فبصلاح الدين والدنيا والآخرة يحصل الفوز الذي ينشده كل الناس.
وقال الشيخ محمد المحمود في خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبارك وسلم تسليما كثيرا، عباد الله.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ .
آخر جمعة
وذكر الخطيب بأن هذه الجمعة هي آخر جمعة من هذا العام الهجري، وقد أمرنا الله تبارك وتعالى أن نعتبر بمرور الأيام والليالي والساعات وتعاقبها علينا أن نعتبر بهذا الزمان وأن نتواصى فيما بيننا بالحق، فقال تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، وقد روى الإمام الطبراني عن أبي مدينة الدارمي رضي الله عنه قال: كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا لقي أحدهم صاحبه قرأ عليه سورة العصر، ثم بعد ذلك يسلم عليه، أي يكمل التحية والسلام لكن قبل ذلك يقرأ عليه سورة العصر لأنها الوصية العظمى التي ينبغي أن نتواصى بها كل حين، لهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لو لم ينزل الله عز وجل إلا سورة العصر لكفت، أي لكفت الناس، لما فيها من موعظة بليغة ووصية عظيمة من الله تبارك وتعالى وقد اعتنى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأسلوب ألا وهو أسلوب الوصية، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الوصية ويوصي أصحابه فيقول أوصيكم بكذا، ويسألونه هم يا رسول الله أوصنا فيوصيهم، وأسلوب الوصية أسلوب بليغ في التربية ومن أعظم الوصايا التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام وأوصى بها رب العزة قبل ذلك وهي التي ينبغي أن يوصي بعضنا بها، وأن نوصي بعضا بعضا مع عام جديد نحن مقبلون عليه، الوصية العظمى ورأس الوصايا هي تقوى الله تبارك وتعالى يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ .
إقامة الصلاة
ونوه الشيخ محمد المحمود إلى أنه ومن الوصايا التي ينبغي أن نتواصى بها فيما بيننا وأن نوصي من نحب وأن يتواصى بها الجميع هي إقامة الصلاة على وقتها، فقد جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى أبا ذر رضي الله عنه فأمر فقال له: اسمع وأطع وإن عبدا مجدعا أنفه وأقم الصلاة لوقتها، لا مجرد الصلاة فقط بل أن تقيم الصلاة لوقتها، فإن الصلاة موقوتة بأوقات من ضيع وقتها خاب وخسر، وقد قال الله تبارك وتعالى مهددا المؤمنين ومحذرا غياهم ومخوفا لهم قال: ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، وقد قال العلماء الذين هم عن صلاتهم ساهون، إما أن يكونوا ساهين عنها بالكلية أو يكونوا ساهين عن بعضها فيصلون بعضها ويتركون بعضا، أو ساهون عن أوقاتها، فيؤخرون الصلاة عن وقتها، لهذا قال عطاء: الحمد الله أن قال الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولم يقل الذين هم في صلاتهم ساهون، لأنه لو قال الذين هم في صلاتهم، لما سلم منها أحد ومن منا لا يسهو في صلاته ومن منا لا يغفل في صلاته، لكن بلاغة القرآن في التعبير أن الله عز وجل قال: الذين هم عن صلاتهم ساهون، فالحذر الحذر من تضييع الصلوات وتأخيرها عن أوقاتها فقد رتب الله عليها الويل وويل كما قال أهل العلم واد في جهنم - أعوذ بالله منه - يستعيذ منه أهل النار من هوله وشدته، أعده الله عز وجل لأولئك الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
وصية الرسول
وقال الخطيب إن من الوصايا العظيمة التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الله تبارك وتعالى أرسل نبيه طبيبا للقلوب بما جاء به من شرعه المنزل من كتبا الله تبارك وتعالى، أو من وحي غير متلو وهو سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال يا رسول الله أوصني، فقال: لا تغصب لا تغضب لا تغضب، وصية عظيمة من النبي عليه الصلاة والسلام، بكلمة واحدة لو تأملها الإنسان لعلم أن الغضب جماع الشر كله، وأعظم أبواب الشيطان على الإنسان، به تفسد حياة الإنسان، به تهدم البيوت به تفرق الصداقات به تفسد حياة الإنسان، وبالتؤدة وبالتأني جماع الخير كله وبكظم الغيظ يجتمع للإنسان الخير كله، فعلى المرء أن يحذر من الغضب، قال العلماء وصية النبي بذلك تدل على أمرين، تدل على أن الإنسان مطالب بأن يكظم غيظه وإن كان سجية فيه، فبعض الناس يقول إن الغضب سجية لا أستطيع أن أتركه، فيقال له: ينبغي أن تجاهد نفسك فتكظم غيظك، والذي يكظم غيظه له المكانة العظمى عند الله، والأمر الآخر دل عليه هذا الحديث أن العبد مطالب بتهذيب أخلاقه، وبتعويد نفسه على العادات الحسنة، بأن يتعلم أدب الحديث وأن يتعلم أدب معاشرة الناس وأن يهذب نفسه وسلوكه حتى يصبح سلوكه سلوكا حسنا وبذلك يستطيع أن يتجاوز هذه الخصلة الذميمة ألا وهي خصلة الغضب في غير ما أحل الله تبارك وتعالى، وفي غير ما منه فائدة فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليغضب إلا لدين الله تبارك وتعالى، أما أمور الدنيا فلا يغضب لها عليه الصلاة والسلام، لهذا أرشد أصحابه وهذا الصحابي الذي جاء يطلب منه الوصية فقال له: لا تغضب.
فعلينا أن نجعل شعارنا هذا العام ألا نغضب إلا لله تبارك وتعالى.