حالة التفاؤل التي أبدتها بعض الدول المنتجة بشأن استقرار سوق النفط العالمية، لا يجب أن تصل إلى حدود الإسراف الذي يضر بالاقتصادات العالمية ومن قبلها العربية، خاصة في ظل التقلبات على الطلب التي تشهدها السوق، والتي تؤدى بدورها إلى غموض حول توقعات الأسعار.
فما أن خرج أمس الأول الإعلان المشترك بين المملكة العربية السعودية ممثلة في وزير الطاقة خالد الفالح والأمين العام لمنظمة أوبك محمد باركيندو، عن البترول واتجاه الأسعار إلى الاستقرار، والتوازن إلى السوق العالمية، إلا وشهدت الأسعار في يوم أمس تراجعا جديدا.
ففي حين وقبيل الإعلان المشترك سجلت الأسعار ارتفاعا نسبيا مدعومة بالتصريحات الثنائية عن السعودية و أوبك فقد ارتفع سعر خام برنت تسليم سبتمبر 17سنتا مسجلا 50.52 دولار للبرميل يوم الأحد، شهدت الأسعار تراجعا أمس الثلاثاء إذ عاد سعر خام برنت إلى أقل من 50 دولارا للبرميل مسجلا 49.47 دولار للبرميل أي بانخفاض 66 سنتا أي بمعدل 1.3 بالمائة عن آخر سعر له، كما هبط خام القياس الأمريكي غرب تكساس الوسيط 89 سنتا وهي قيمة تعادل نسبة 1.9 بالمائة حيث سجل 48.08 دولار للبرميل.
ولتلك الأرقام وتباينها قبل وبعد الإعلان المشترك بين السعودية و أوبك دلالاتها الاقتصادية، فهي تعكس حالة من التفاؤل الشديد بمستقبل سوق النفط خاصة إذا تم الأخذ في الاعتبار الزيادات السعرية، غير أنه تفاؤل يجب أن يكون مشوبا بالحذر خاصة مع تراجع تلك الأسعار في اليوم التالي على الإعلان.
كما تعكس تلك الأرقام حالة من عدم اليقين بشأن توقعات أسواق النفط العالمية والأسعار السائدة فيها، الأمر الذي ينعكس وبشكل مباشر على إيرادات الدول المنتجة للنفط، ويعود بالأزمات الاقتصادية المرتبطة بها لما كانت عليه خلال الشهور الماضية.
وعلى ذلك فإن التفاؤل بحالة استقرار سوق النفط العالمية ليس بديلا للسياسات الاقتصادية التي يجب أن تنتهجها الدول العربية للتغلب على موارد متقبلة وغير مستقرة بسبب حالة الضبابية وعدم وضوح الرؤية بشأن مستقبل سوق النفط، الذي يمثل عاملا مهما في تحقيق إيرادات الاقتصادات الدولية ومنها الخليجية.
وأمام تلك الحالة على الدول العربية أن تستمر في انتهاج السياسات الاقتصادية الجديدة التي بدأتها بفرض من الأوضاع العالمية لسوق النفط، والتي تعتمد على تدبير موارد مالية جديدة من مصادر أخرى غير إيرادات النفط المهتزة وغير المستقرة، كتلك السياسات التي قررتها بعض الدول وانتهجتها أخرى مثل ضريبة القيمة المضافة وإعادة النظر في سياسات دعم المحروقات، وفتح المجال أمام مشاركة القطاع الخاص في التنمية، فضلا عن السياسات الاقتصادية التكاملية بين الدول العربية، كتسهيل التجارة البينية وتنشطيها، وإعادة النظر في السياسات الجمركية والنظم الضريبية، على أن يسبق ذلك كله التأكيد من جانب الحكومات العربية على ضرورة انتهاج سياسات مالية ونقدية جديدة تعمل على تنشيط حركة الاستثمار وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، ودعم مشروعات البنية التحتية، لمواجهة التقلبات التي ما زالت تتحكم في سوق النفط العالمية.