شرعت العديد من المؤسسات والشركات العالمية العاملة في العديد من القطاعات الاقتصادية في التوجه إلى الأسواق المالية العالمية والبنوك والمصارف الدولية بالإضافة إلى المؤسسات العالمية خلال الفترة القليلة الماضية لتجميع تمويلات مالية عبر القيام بمجموعة من الإصدارات المالية التي تتمثل في طرح العديد من السندات والأوراق المالية التجارية التي تدخل إما في إطار عمليات رفع رأس المال أو في إطار تدعيم المراكز المالية الخاصة بالعديد من الشركات، وخاصة الشركات التي تأثرت إلى حد ما بتبعات فيروس كورونا المستجد والمعروف اختصارا بفيروس كوفيد 19.
ويرى خبراء ومختصون أن الفترة المقبلة ستشهد زخما وطفرة كبيرتين على مستوى الإصدارات من السندات وخاصة الشركات التي تضررت بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة إغلاق الاقتصاد العالمي ضمن الإجراءات الوقائية للحد من تفشي وانتشار فيروس كورونا المستجد والمعروف بفيروس كوفيد 19، خاصة الشركات التي قامت بإغلاق أعمالها بشكل كامل وليس جزئيا.
ويرى الخبراء الذين تحدثت إليهم لوسيل أن السندات التي سيتم إصدارها ستكون من قبل جهتين الجهة الأولى، هي البنوك والمصارف العالمية التي ستعمل على تجميع أكبر قدر من السيولة خلال الفترة المقبلة لمواجهة الطلب على التمويلات خاصة من عملائهم من الشركات، أما الجهة الثانية التي ستكون معنية بجمع تمويلات مالية وسيولة نقدية لمواجهة التحديات المستقبلية هي الشركات وفي مقدمتهم الشركات التجارية والشركات العاملة في قطاع التجزئة والشركات العاملة في القطاعات العقارية بالإضافة الى الشركات العاملة في قطاعات السياحة والضيافة، تضاف إليهم شركات الطيران الجوي والشركات المختصة في الشحن والنقل البحري.
ويجمع الخبراء والمحللون الاقتصاديون الذين تحدثوا لـ لوسيل على أن الفترة المقبلة يمكن أن تستغلها البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة على أكمل وجه سواء على المستوى المحلي أو حتى على المستوى الإقليمي والعالمي، من خلال العمل على تصيد الفرص التي تمكنهم من تقديم العديد من التمويلات المالية والنقدية لكبرى الشركات العاملة في الدولة أو حتى الشركات العالمية التي تتخصص في عدد من القطاعات التي أظهرت خلال أزمة كورونا المستجد والمعروف بفيروس كوفيد 19، أداء جيدا وفي مقدمتهم شركات الاتصالات والتكنولوجيا والشركات المختصة في الأمن السيبراني خاصة أن هذه الشركات ستكون أكبر مستفيد خلال الفترة المقبلة نتيجة بداية تغير توجهات المستهلكين واعتمادهم شيئا فشيئا على الخدمات التكنولوجية من أجل أتمتة كافة معاملاتهم الحياتية اليومية من مدفوعات وتحويلات ومشتريات، مشددين على أن شركات التكنولوجيا هي من أبرز الرابحين من أزمة كورونا حيث قاموا بتطوير خدماتهم الإلكترونية بشكل سريع من أجل تلبية طلبات مختلف أفراد المجتمع، كما أن هذه الشركات ستعمل على تطوير خدماتهم في الفترة المقبلة مما سيستوجب رصد مبالغ استثمارية مهمة للبحث العلمي والتكنولوجي بالإضافة إلى الجانب اللوجيستي والأمر الذي قد يدفعها إلى البحث عن تمويلات مالية مهمة لتغطية حاجة الشركات خلال الفترة القليلة المقبلة ومع سرعة الاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى حسن البحث على أماكن السيولة، مع الأخذ بعين الاعبتار ضرورة وضع إدارة المخاطر على أهبة الاستعداد لتجنب أي تحديات طارئة.
كما قالوا في حديثهم لـ لوسيل إن البنوك والمصارف والبنوك الاستثمارية يمكن أن تستثمر بشكل كبير في هذا المجال وتحصل رسوما من إدارة إصدارات سندات الشركات المتعلقة.
أجمع خبراء اقتصاديون ومحللون ماليون على قوة القطاع المالي القطري، إلى جانب المدى المهم لجاذبيته لكبار المستثمرين الأجانب الذين لا يفوتون الفرصة للدخول إلى السوق المحلية سواء في شكل استثمارات مباشرة أو غير مباشرة، وذلك من خلال الاكتتاب في الأوراق المالية والتجارية التي تصدرها المؤسسات العاملة في قطر بمختلف أصنافها ومجالاتها، أو في الأوراق المالية التي تطرحها الدولة محليا ودوليا، تكون إما في شكل أذونات خزينة أو سندات أو صكوك.
ومن المنتظر أن تبدأ بعض البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة خلال الأشهر القليلة المقبلة إصدار مجموعة من السندات والصكوك الإسلامية والأوراق المالية التجارية التي تتم برمجتها وفقا للخطط الإستراتيجية التي تم تجهيزها في إطار مجموعة الإصدارات التي من المرتقب أن يتم إصدارها وطرحها في العديد من الأسواق العالمية، ويتوقع ان تستقطب اكتتابات كبيرة الحجم وفقا لتحركات الأسواق العالمية والتي أبدت رغبة شرائية قوية لتلك الأوراق المالية التي هي مدعومة بالقوة المالية للبنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة بالإضافة الى القوة المالية التي تتمتع بها الدولة، كما أن الإصدار السيادي الذي قامت به دولة قطر سيكون بمثابة الإصدار الاسترشادي لمختلف الشركات والمؤسسات المالية العاملة في الدولة.
وأشار من تحدثوا إلى لوسيل الى ان تلك الإصدارات من أجل تعزيز مراكزها المالية وتقويتها بشكل كبير، في ظل ما تتمتع به من ملاءة مالية متميزة والتصنيفات الائتمانية التي تتمتع بها تلك المؤسسات من قبل وكالات التصنيف الائتماني وخاصة من قبل الأشهر عالميا وهي وكالات ستاندرد آند بورز ووكالة فيتش ووكالة موديز، حيث تتمتع التصنيفات الائتمانية للمؤسسات المالية من بنوك ومصارف إسلامية وحتى شركات ومؤسسات عقارية وطاقية وتأمينية بمستويات عالية من جودة الأصول والتصنيفات التي تم الإعلان عنها مؤخرا بما يؤهلها للخروج خلال الربعين الثاني والثالث من العام الجاري نحو الأسواق العالمية وطرح مجموعة من الأدوات المالية المتنوعة في عدد من الأسواق.
وتتمتع دولة قطر بتصنيفات ائتمانية عالية الجودة من قبل وكالات التصنيف السيادي وفي مقدمتها وكالة التصنيفات الائتمانية العالمية ستاندرد آند بورز في تقريرها الصادر بتصنيفها الائتماني السيادي لدولة قطر عند مستوى AA- مع نظرة مستقبلية مستقرة، وذلك رغم الهبوط الحاد في أسعار النفط في الأسواق العالمية، موضحة في ذات الصدد الموازين المالية العامة الحكومية في دولة قطر لا تزال قوية في الوقت الحالي وتوفر جدار صد منيعا لمواجهة أي تقلبات خارجية. وقد انعكست تلك التصنيفات الائتمانية السيادية لدولة قطر على التصنيف الائتماني للشركات القطرية المختلفة مما أكسبها متانة وقوة.
وكانت قطر قد نجحت في إصدار سندات سيادية مقومة بالدولار الأمريكي بقيمة 10 مليارات دولار مقسمة على عدة شرائح، سجلت إقبالا استثماريا وتدفقات نقدية عالية المستوى حيث أشارت وزارة المالية في إفصاحها الرسمي عن تلك الإصدارات الى أن قيمة وحجم الاكتتاب المسجل بشكل عام بلغ 45 مليار دولار هو ما يعادل تقريبا 4.5 أضغاف قيمة الإصدار المعلن والمتمثل في 10 مليارات دولار. كما بدأت بعض الشركات العاملة في دولة قطر بإصدار مجموعة من السندات وكان آخرها شركة قطر للتأمين التي نجحت في إصدار سندات بقيمة 300 مليون دولار بما يعادل تقريبا نحو 1.092 مليار ريال والتي من شأنها أن تساهم في دعم رأس مال الشركة والمركز المالي للشركة بما يساعدها في تحقيق توسعات داخل السوق المحلية في دولة قطر أو حتى من القيام بتوسعات في الأعمال التأمينية في اسواق المنطقة حتى الأسواق العالمية، كما من شأنه أن يدعم مركز الشركة في مواجهة أي تحديات قد تنشأ خلال الفترة المقبلة نتيجة تفشي وانتشار فيروس كورونا والمعروف اختصارا بفيروس كوفيد 19 بالإضافة الى مواجهة أي تحديات قد تطرأ نتيجة التراجع الحاد المسجل على مستوى أسعار النفط والطاقة في الأسواق العالمية بشكل عام.
وفي هذا الإطار، يقول رجل الأعمال والمستثمر في سوق المال يوسف أبوحليقة إنه عادة ما تخلق الأزمات الفرص التي لابد لكبار المستثمرين من حسن استغلالها على أكمل وجه وتحويلها إلى عوائد مالية مجزية ومهمة، وتابع قائلا البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة نجحت في السنوات الماضية في القيام بعمليات تمويلية لكبرى الشركات سواء كان ذلك في السوق المحلي أو حتى في الأسواق العالمية، وقد تمكنت تلك البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة من تحقيق عوائد مجزية جدا نتيجة لعمليات التمويل تلك، واليوم أمام التحديات التي يعيشها الاقتصاد العالمي، فمن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توجه العديد من الشركات لسد الفجوات التي تم تسجيلها خلال الفترة الماضية من خلال طرح سندات وأوراق دين وأوراق تجارية أو من خلال طلب قروض وتمويلات مباشرة خاصة أن أسعار الفائدة في الأسواق العالمية تعد اليوم منخفضة مقارنة بالعام الماضي، خاصة بعد أن قام الفيدرالي الأمريكي بتخفيض أسعار الفائدة في عدد من المناسبات المتتالية خلال شهر مارس من العام الجاري، وهو ما جعل تكلفة الدين أقل بكثير من السنوات الماضية، حيث عادت أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي إلى مستويات صفرية وتحديدا عند مستوى 0.25 بالمائة بشكل عام وهي نقطة تحفيز للشركات للطلب التمويلات .
وأكد على ضرورة أن تنشط البنوك والمؤسسات المالية خاصة المؤسسات المالية التي تتبع عددا من البنوك القطرية على العمل لبحث عن فرص تمكنهم من إدارة الإصدارات التي قد يتم طرحها على أن تحقق عوائد مجزية من عمليات إدارة الطروحات ومن شأنها أن ترفع من مستوى أرباح تلك الشركات بشكل عام، في ظل ما تتمتع به من خبرة في المعاملات المالية المحلية وحتى العالمية بالإضافة إلى الاستفادة من السمعة الطيبة التي تتمتع بها دولة قطر والتي تحوز على ثقة كبار المستثمرين وكبرى الشركات العالمية التي سجلت حضورها بقوة في السوق القطرية من خلال عقد العديد من الشراكات مع المستثمرين القطريين سواء من القطاع العام أو حتى القطاع الخاص.
من جهته نوه الخبير والاقتصادي عبدالله الخاطر إلى أهمية أن تحسن البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة بالإضافة إلى الشركات المالية إدارة المرحلة المقبلة وتعمل على توزيع محفظة المخاطر بشكل متوازن وسليم يضمن لها الاستقرار في مواجهة أي تحديات قد تطرأ، مشددا على أن الفترة المقبلة قد تشهد قيام العديد من الشركات بطرح سندات وصكوك لجمع تمويلات وهو ما سينعكس بالإيجاب على البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة بشكل كبير.
تعرف السندات في علم الاقتصاد المالي على أنها إحدى أدوات الدين التي تصدرها الحكومات والشركات لتمويل مشاريعها حيث إنها توفر عائدا جيدا للمستثمرين مقابل مخاطرة مقبولة اضافة الى أنها تعتبر أداة من أدوات السياسة النقدية على المستوى المحلي كما أن هذه السندات أدوات استثمارية ذات مخاطر أقل وتتراوح مدة إصدارها من متوسطة إلى طويلة الأجل، حيث يختلف معدل العائد المقدم من شركة مصدرة إلى أخرى وذلك حسب الشركة وتاريخها وملاءتها المالية حيث إن العائد المطلوب من المستثمر على الحكومة أو شركة كبيرة سيكون أقل من العائد المقدم من دولة ذات ملاءة ضعيفة أو شركة صغيرة وذلك بحكم أن المخاطرة في السندات الحكومية أو الشركات الكبيرة ستكون أقل.
إلى ذلك، فقد أظهرت بيانات من رفينيتيف أن بنوك الاستثمار حصلت على دخل قياسي للرسوم من إدارة إصدارات سندات الشركات حتى نهاية أبريل، إذ سارعت الشركات لجمع الأموال لمساعدتها على تجاوز أزمة كورونا المستجد والمعروف اختصارا بفيروس كوفيد 19، وأظهرت البيانات أن أقسام سندات الشركات جنت 10.6 مليار دولار من الرسوم في أول أربعة أشهر من العام، بارتفاع 24 بالمائة مقارنة مع مستواها نفس الفترة من عام 2019 والذي شكل مستوى قياسيا في حد ذاته. الى ذلك، تشير التوقعات إلى أن إجمالي الإصدارات من السندات والصكوك على مستوى منطقة الخليج العربي قد يصل إلى نحو 100 مليار دولار بنهاية العام الجاري 2020، ومن المتوقع أن ترتفع إصدارات السندات والصكوك الإسلامية خلال الفترة المقبلة بشكل أكبر مما قد يرفع المبلغ إلى مستويات أعلى من التوقعات بشكل عام.
بلغ إجمالي قيمة محفظة الأوراق المالية المكونة أساسا من السندات والصكوك والأوراق المالية التجارية والمسجلة في الجهاز المصرفي بنهاية الربع الأول من العام الجاري نحو 195.04 مليار ريال موزعة على ثلاثة بنود رئيسية وهي سندات وأذونات خزينة وهي تستأثر على النصيب الأوفر وصكوك والمشاركة في الأسهم وصناديق متعددة.
وقد بلغ إجمالي سندات الدين المسجلة في الجهاز المصرفي نحو 115.5 مليار ريال بنهاية شهر مارس من العام الجاري منها نحو 101.8 مليار ريال هي سندات وأذونات خزينة حكومية، نحو 8.6 مليار ريال هي سندات صادرة عن البنوك والمصارف الإسلامية العاملة في الدولة في السوق المحلية، ونحو 5.05 مليار ريال سندات صادرة عن مؤسسات وجهات أخرى. أما الصكوك الإسلامية التي وقع إصدارها فهي تقدر بنحو 74.7 مليار ريال، منها نحو 70.02 مليار ريال صكوكا حكومية و3.5 مليار ريال صكوكا أصدرتها بنوك ومصارف إسلامية عاملة في الدولة ونحو 1.19 مليار ريال هي سندات وصكوك أصدرتها مؤسسات مالية وجهات أخرى طيلة الفترة الماضية وذلك من أجل عدة أسباب لعل من بينها جمع تمويلات لدعم قاعدة رأس المال أو من خلال رفع مستويات التشغيل عبر توفير سيولة لازمة من أجل تقديم قروض وتمويلات وتسهيلات ائتمانية لفائدة العملاء وعلى وجه الخصوص مختلف مكونات القطاع الخاص الذي نشط بشكل كبير خلال الخمس سنوات الأخيرة على دعم الاقتصاد الوطني من خلال زيادة نسبة مساهمته في الناتج المحلي للدولة عبر إنشاء العديد من المبادرات الاقتصادية في مختلف الأنشطة الصناعية بالإضافة إلى العمل على العديد من المشاريع التي قامت الدولة بطرحها في شكل مناقصات خلال الأعوام الماضية، سواء كانت تلك المشاريع تتعلق بالتحضيرات الجارية لاستضافة كأس العالم قطر 2022، أو في إطار تطوير وتنمية الدولة بما يتماشى مع ملامح الخطة الإستراتيجية للدولة 2030.