أكد الداعية القطري فضيلة الشيخ محمد محمود المحمود حرص الإسلام بمبادئه السامية، وتشريعاته الحكيمة على بناء مجتمع متكاتف متراحم، يقوم على التعاون والتآزر، قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
وأضاف في الخطبة الأولى أمس الجمعة، بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، تحت عنوان التكاتف المجتمعي في زمن الوباء أن النصوص تضافرت في بيان أهمية التكاتف والتراحم في المجتمع، فقد صور لنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك التكاتف تصويرًا جميلاً غايةً في التماسك، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى .
عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ.
ولفت فضيلته أن التراحم والتكاتف المجتمعي يقتضي بذل الخير والمعروف المعنوي والمادي لمن هو في حاجة إليه، ويقتضي تغلب المصالح العامة على الخاصة، ويقتضي حب الخير للغير، صحيح البخاري: عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحث على هذا الأمر فقد ثبت أنه كان في سفر إذ جاءَ رجل على رَاحِلَة له، قال: فجعل يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضلُ ظهر فلْيَعدُ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليَعُد به على من لا زاد له، وذكر من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حَقَّ لأحد منا في فضل . أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري.
ولقد أثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من يتصفون بخلق التكافل ويحققون مبدأه ويحرصون عليه، يقول - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان عن أبي موسى: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنَّ الأشعريِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، وقَلَّ طَعَامُ عِيالهم بالمدينة: جَمَعُوا ما كان عندهم في ثَوْب واحد، ثم اقْتَسَمُوا بينهم في إناء واحد بالسَّويَّةِ، فهم مِنِّي وأنا مِنْهُم . (أرملوا) أي: إذا نَفِدَ زادهم.
ونوه فضيلته إلى أن من التكاتف الإحسان إلى الجيران، وذلك بحسن معاملتهم، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك .
وذكر الداعية القطري أن النبي صلى الله عليه وسلم وسع نطاق التكافل والتراحم ليعم المجتمع كله، صحيح البخاري (3/ 128) عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ومن تفريج الكربات والتكافل في الملمات التبرع بالدم للمرضى والمصابين، ففيه أجر عظيم، وبه قد تنقذ حياة إنسان، ويغاث قبل الفوات، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [المائدة: 32].
وحول تفريج الكربات قال فضيلته إن التكافل في الملمات إسقاط الديون أو تأجيلها عن المعسرين يعد من تفريج الكربات، وقد قال الله عز وجل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280]. ما رُوي في الطبراني عن أبي أمامة رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: من سره أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فَلْيُيَسِّر على معسر أو ليضع عنه .
وخاطب فضيلته الحضور قائلاً: هنيئا لمن كان متراحما مع أفراد مجتمعه، متعاونا في معاملاته، يعين الناس على أعباء الحياة، ويسعى في قضاء مصالحهم، وتقديم العون لهم، ويشاركهم في أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم، ويعود مريضهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم.
{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [البقرة: 110].
قال الداعية القطري فضيلة الشيخ محمد محمود المحمود في الخطبة الثانية إن قوةَ أيّ مجتمعٍ وسلامته إنما هي في قوة نواته ولبنته الأولى وهي الأسرة فإذا قويت وتماسكت قوي بعدها المجتمع وتماسك، مضيفا أن الأسرة قد تتعرض لكثير من الصدمات خاصة في زمن الأزمات، فكان لزاما أن يتواصى به أفرادها بالتراحم والتكاتف، ولا يدعوا مجالا للشيطان ليفسد بينهم، فإن من أعظم ما يسعى له الشيطان التفريق بين الأزواج وهدم البيوت.
وسرد فضيلته ما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ. قال الأعمش: أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ.
وذكر فضيلته الآباء والأزواج بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: خَيْرُكُمْ خيركم لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي كما ذكر الأمهات والزوجات بحديث أبي هريرة قال: قيل لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم: أيّ النساء خير؟ قال: التي تسرُّه إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها وماله بما يكره .
وللبنين والبنات ذكر فضيلته بقوله تبارك وتعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [الإسراء: 23 و24]